ملكون ملكون
من المفارقات أن المنتخب الأكثر إثارة للحيرة في عالم كرة القدم أصبح الآن في عهدة أحد أكثر مدربيها غموضاً. فرنسا، بكل ما تختزنه من مواهب وتناقضات، تفتح صفحة جديدة مع زين الدين زيدان، الرجل الذي ظل، منذ أيام لعبه وحتى مقاعد التدريب، أشبه بلغز عَصيّ على التفكيك.
كان زيدان لاعباً يصعب اختزاله في تفسير واحد. وحين انتقل إلى التدريب، لم يتبدد الغموض، بل ازداد. فالرجل الذي قاد ريال مدريد إلى ثلاثة ألقاب متتالية في دوري أبطال أوروبا لم يترك وراءه، في الوقت نفسه، نظرية واضحة في كرة القدم، أو فلسفة تكتيكية يمكن الإمساك بها وتسميتها باسمه.
لقد انتصر كثيراً، لكن السؤال ظل معلقاً: كيف كان يفعل ذلك؟ الآن، للمرة الأولى، ينتقل هذا اللغز إلى المنتخب الفرنسي.
عبقرية المدرب وقوة اللاعبين
الأرقام تمنح زيدان سجلاً يصعب تجاهله. هو واحد من خمسة مدربين فقط فازوا بدوري أبطال أوروبا ثلاث مرات أو أكثر، إلى جانب بوب بيزلي، وبيب غوارديولا، ولويس إنريكي، وخلف كارلو أنشيلوتي وحده في عدد الألقاب.
لكن زيدان يملك إنجازاً لا يشاركه فيه أحد: ثلاثة ألقاب متتالية في دوري الأبطال. ومع ذلك، لا يزال من الصعب أن يضعه كثيرون ضمن قائمة المدربين الكبار في تاريخ اللعبة. ففي تلك الفترة، لم يفز سوى بلقب واحد في الدوري الإسباني. غادر ريال مدريد بعد خمسة أيام من تتويجه الأوروبي الثالث، مكتفياً بالقول إن النادي يحتاج إلى التغيير. لم يشرح كثيراً، كما لم يشرح كثيراً دوافعه طوال مسيرته التدريبية. ثم عاد بعد أشهر، عقب الولاية القصيرة للوبيتيغي ومحاولة سانتياغو سولاري إنقاذ ما تبقى من الموسم. وفاز بلقب آخر في الدوري الإسباني خلال الموسمين الكاملين التاليين.
وهنا تبدأ المفارقة. كيف نقيس مدرباً في كرة القدم الحديثة؟
لقبان في الدوري خلال أربعة مواسم كاملة، وثلاثة ألقاب أوروبية في أول موسمين ونصف تقريباً
في عصر آخر، وفي بلد آخر، كان ذلك كافياً لجعل زيدان مدرباً من النخبة بلا نقاش. لكن في إسبانيا خلال العقد الأخير، حيث اعتاد ريال مدريد وبرشلونة على ابتلاع معظم الألقاب، تبدو إنجازاته المحلية أقل استثنائية مما توحي به الأرقام. ومع ذلك، فإن أرقام ريال مدريد تحت قيادته تكاد تتحدى أي محاولة للتقليل من شأنه. خسر ثماني مباريات فقط في أول مئة مباراة له. سجل الفريق في 73 مباراة متتالية. وفاز بـ16 مباراة متتالية في الدوري، معادلاً رقماً قياسياً، ثم حقق 13 انتصاراً متتالياً خارج ملعبه، وهو رقم قياسي.
أرقام هائلة، لكن المفارقة أن كثرتها لا تجيب عن السؤال، بل تعيده إلى نقطة البداية: هل كان ريال مدريد بهذه القوة لأن زيدان كان عبقرياً، أم أن زيدان بدا عبقرياً لأن ريال مدريد كان بهذه القوة؟ الإجابة ليست واضحة.
كان الفريق جيداً، وأحياناً رائعاً، لكنه لم يترك خلفه نموذجاً كروياً يمكن نسبته بوضوح إلى زيدان. حتى ألقابه الثلاثة المتتالية في دوري أبطال أوروبا لا تقدم وحدها الدليل الحاسم على عبقريته التدريبية. لان ريال مدريد، تاريخياً، يمتلك قدرة غريبة على الفوز أوروبياً حتى عندما لا يبدو الأفضل، كأن البطولة الأوروبية تعرف طريقها إليه في اللحظة التي يتعثر فيها الآخرون.
زيدان.. مدرب النجوم
ربما كان زيدان يمتلك نوعاً آخر من العبقرية. فهو لم يخترع ثلاثي الوسط كاسيميرو ومودريتش وكروس، ولم يبتكر لرونالدو أو بيل أدواراً ثورية. لكن ربما كان يعرف كيف يتعامل مع النجوم. ربما كان يمتلك القدرة على إخراج أفضل ما لدى اللاعبين الكبار، والحفاظ على تركيزهم، ومنحهم المساحة التي يحتاجونها لكي يكونوا أنفسهم. غير أن هذه المهارة لا تظهر بسهولة في الرسوم التكتيكية، ولا يمكن قياسها بالأرقام، ولهذا بقي زيدان لغزاً. كان أشبه بشفرة مفتوحة أمام الجميع، يقرأ فيها كل مراقب الرسالة التي يريدها. بعضهم رأه مدرباً عبقرياً يعرف كيف يترك اللاعبين يتصرفون. وبعضهم رأه مدرباً محظوظاً امتلك مجموعة استثنائية من النجوم. وبين القراءتين بقي زيدان صامتاً.
فلسفة النجوم
هناك مشكلة ليست خاصة بزيدان. فالكثير من مدربي ريال مدريد وجدوا أنفسهم في المأزق ذاته. النادي يمتلك لاعبين عظماء، واللاعبون العظماء قادرون على صناعة أشياء عظيمة. في مثل هذه البيئة، تصبح الفلسفة والخطط أحيانًا أقل حضورًا من المواهب نفسها.
كارلو أنشيلوتي عانى من الصورة ذاتها. مدرب يبدو أحياناً وكأنه يترك اللاعبين يفعلون ما يجيدونه، ولذلك لا يحصل على التقدير الذي يحصل عليه المدربون أصحاب النظريات التكتيكية الواضحة. لكن ربما يكون ترك اللاعبين العظماء يكونون عظماء مهارة في حد ذاته. فليس كل مدرب لريال مدريد قادراً على تحقيق ذلك.
السلاح الذي تحتاجه فرنسا
هناك شيء واحد يصعب إنكاره في زيدان: الهالة. حتى أولئك الذين رأوا فيه مجرد مدرب يقف على خط الملعب ويصفق للاعبين، عليهم الاعتراف بأن سلطة بعض الأشخاص تتجاوز ما يفعلونه بالفعل. وهذه الهالة قد تكون ذات قيمة استثنائية مع المنتخب الفرنسي. ففرنسا عرفت، بين تتويجيها بكأس العالم، لحظات مؤلمة من الانضباط المنهار والصراعات الداخلية، من فضيحة مونديال 2002 في كوريا واليابان، إلى تمرد اللاعبين وإضرابهم خلال مونديال 2010.
أما زيدان، فيأتي الآن بشخصيته الثقيلة ورصيده كلاعب وبطل عالمي وأوروبي. وقد بدأ بالفعل بإرسال إشارات واضحة. فقد منع الصحافة من تغطية وصول اللاعبين إلى مركز كليرفونتين، في خطوة توحي بأنه يريد أن يمسك زمام المشهد منذ البداية. كما أن قائمته تضم عددًا من الوجوه الجديدة. وهذا يعني انه ليس مجرد استمرار لحقبة ديشان.
الاختبار الحقيقي
ربما تكون فرنسا المكان الذي يصبح فيه زيدان، أخيرًا، قابلًا للقراءة. ففي الأندية، كان محاطاً بلاعبين قادرين على صناعة الفارق بأنفسهم. أما المنتخب، فيمنحه نوعاً آخر من السلطة، ونوعاً آخر من التحدي.
مدرب المنتخب يملك مساحة من الاستقلالية لا يملكها بالقدر نفسه مدرب النادي. ولا يتعلق الأمر فقط بالتكتيك، بل بإدارة مجموعة من النجوم، وبناء هوية مشتركة، وضبط غرفة ملابس تضم شخصيات كبيرة، وتحويل المواهب الفردية إلى قوة جماعية. وهنا تحديدًا قد تظهر حقيقة زيدان.
هل كان طوال تلك السنوات مهندساً خفياً للنجاحات؟. أم أنه كان ببساطة الرجل الذي عرف كيف يقف في المكان الصحيح، ويترك النجوم يفعلون ما يجيدونه؟ ربما لن تجيب السنوات السابقة عن السؤال. لكن فرنسا قد تفعل. فمع منتخب لا ينقصه اللاعبون، ولا الألقاب، ولا الخبرة، يصبح التحدي مختلفاً تماماً. وللمرة الأولى، لن يكون زيدان محاطاً فقط بنجوم ريال مدريد. سيكون هو نفسه مركز المشروع. وهناك، ربما، يسقط الستار عن الساحر. وربما نكتشف أن أكثر ما يميز زين الدين زيدان ليس ما يفعله أمام أعيننا، بل ما كان يفعله دائمًا من خلف الستار.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة