حديث الروح: القفزة الكمومية والمتغيرات الكروية  

 

بسام جميدة

“في عالم الكم، لا ينزلق الإلكترون بين المدارات تدريجياً كما تمشي السيارة على الطريق، بل يختفي فجأة من مستواه الأدنى ليظهر في المستوى الأعلى.. قفزة خاطفة لا تعترف بأي مرحلة انتقالية بينهما ”

*نيلز بور (فيزياء الكم)

تخبرنا الفيزياء الكلاسيكية أن الأشياء تتغير بالتدرج والبطء.. تراكمات صغيرة وتعديلات بطيئة عبر السنين تمنحنا شكلاً جديداً؛ لكن عالم الفيزياء الدانمركي الشهير نيلز بور (حائز نوبل والمؤسس الحقيقي لنموذج الذرة الحديث) حين اخترق بصرُه عمق الذرة عام 1913، كشف عن حقيقة مغايرة تماماً: الجسيم يمتص طاقة مكثفة، فلا يمشي خطوة بخطوة، بل يختفي من مداره القديم ليظهر فوراً في مدار أعلى. ظاهرة أطلق عليها الفيزيائيون: القفزة الكمومية.

الجسيم الذري لا يمتلك ترف “المشي رويداً رويداً”؛ حين يمتص شحنة كافية من الطاقة، يختفي من مدار القديم ويقفز فوراً ليعيد تشكيل هويته وموقعه في مدار جديد أعلى قوةً وضياءً.

هذا المفهوم الذري الدقيق هو المفتاح الحقيقي لفهم التحولات الكبرى على المستطيل الأخضر. فكرة القدم لا تتطور دائماً بالتدرج المعهود، بل تشهد لحظات فارقة تقفز فيها اللعبة فجأة، لتلغي ما قبلها وتفرض واقعاً جديداً في ليلة وضحاها  وتُفسر السر الأكبر في تاريخ كرة القدم.

تاريخ اللعبة يخبرنا أن كلما تراكم الركود، جاءت “شحنة طاقة فكرية” أحدثت قفزة كمومية شقت التاريخ إلى نصفين:

مثال: قفزة المجر 1953 والبرازيل 1958 (نسخ الماضي بليلة واحدة) : عندما هزمت المجر إنكلترا في عقر دارها بملعب “ويمبلي” الشهير بنتيجة (6-3) عام 1953، كان التحول التكتيكي يقول كلمته في مباراة كرة قدم؛ كانت  هناك قفزة كمومية أطاحت بنظام (W-M) الإنجليزي الكلاسيكي. سحب المدرب “غوستاف شبش” المهاجم “ناندور هيديكوتي” للخلف، فتاه المدافعون التقليديون واختفت الخطة القديمة فوراً.

وبعدها بأعوام، امتصت البرازيل هذه الطاقة وقفزت خطوة فضائية بخطة (4-2-4) في مونديال 1958، ملغيةً عصر “قلب الدفاع الأوحد” ومحدثةً قفزة في المفهوم التكتيكي العالمي.

وهناك قفزة الكرة الشاملة 1974 (محو الأبعاد والمراكز)، فلم تكد اللعبة تستقر، حتى أحدث “رينوس ميشيلز” وتلميذه “يوهان كرويف” قفزتهما الفكرية في السبعينيات مع “الكرة الشاملة”. لم يكتفِ الهولندي بالمناورة داخل خطة (4-3-3)، انما ألغى ثبات المراكز كلياً؛ ليتحول الحارس إلى صانع ألعاب وممرر أول، والمهاجم إلى مدافع أول، في إلغاء صريح للمراحل الانتقالية والزوايا التقليدية بين خطوط الملعب وقفزت الفكر التكيكي من منطق “حماية المنطقة” إلى منطق “السيادة على المساحة والزمان”.

وتبدو قفزة الضغط العكسي والمهاجم الوهمي (تكتيك السرعة الذرية)  في عصرنا الحديث، عندما ابتكر بيب غوارديولا مفهوم “المهاجم الوهمي”  مع ليونيل ميسي، أو عندما أطلق يورغن كلوب ورالف رانغنيك ثورة “الضغط العكسي الخاطف” ؛ لم تكن تلك تحسينات طفيفة على التمارين وكراسات اللعب، فقد اعتبرها العارفون والنقاد أنها قفزات خاطفة أجبرت مدربي القارة العجوز وباقي المدربين في العالم على إعادة صياغة المناهج التدريبية فوراً، لأن من لا يواكب القفزة يظل محتجزاً في المدار الأدنى!

القفزة الأشد عمقاً لم تحدث على سبورة الخطط  ودفاتر المدربين، كانت  تظهر جلية في  المشابكة الأجمل بين الفيزياء والكرة حيث اخترقت “وعي المجموعة وعقليتها”

ولهذا نفسرّ تحول منتخب المغرب في مونديال قطر 2022 على انه تجسيد حقيقي لهذه الظاهرة  بدأ من تحسن تدريجي في أداء اللاعبين؛ فريق امتص شحنة من اليقين والروح، فكسر العقدة وقفز مباشرة من منطق “المشاركة المشرفة” ليمحو المسافة النفسية بين الكرة العربية والإفريقية ومربع الكبار العالمي . كان قفزة كمومية في الوعي والروح!

هكذا  نرى الفرق والمنتخبات المتوسطة عندما يطؤها قدم مدير فني يملك “الشرارة”  ويبث فيهم روح التحول لتتم القفزة في “إدراكهم الذاتي”؛ فيتحول الفريق في لحظة فارقة من الهرب من الخسارة إلى عقلية الهيمنة وفرض الشخصية أمام كبار اللعبة.

  كرة القدم “تماماً كعالم الذرة” لا تنتظر المستسلمين لقوانين التدرج البطء؛ أو من يمشون بخطوات واهية؛ إنها تنحاز دائماً لمن يملكون شجاعة امتصاص الطاقة، ليكسروا الجمود بـ “قفزة كمومية” تعيد رسم التاريخ وتنقلهم من الظل إلى الذروة في رمشة عين!

قفزات كرة القدم تتمثل في أمور كثيرة يصنعها العلم والعقل بتمازج نوعي مع عقول اللاعبين القادرة على امتصاص المتغيرات وتطبيقها على مسرح الحدث فوق العشب الأخضر وأما الجموع التي تتنظر أن يفور بركان المتعة وتنتشي منه حد الثمالة.

عن admin1

شاهد أيضاً

اوف سايد  

    نضال خليل النصيحة بجمل غم لياقتها البدنية العالية، والتمارين القاسية التي تمارسها يومياً، …