بسام جميدة
أعترف أنني على مدى سنوات عملي في الصحافة استعملت هذا العنوان عدة مرات، وقد يتذكر من يتابعني ما كتبت حينها ممن يملكون ذاكرة كافية من طراز “تيرا وشوي”. وكان قصدي أن أبث الحماسة في النفوس كي تثبت رجولتها في الاعتراف بالخطأ، وتقوم بملء إرادتها عن الكراسي التي يجلسون عليها، ويتخلون بكرامة وطبق العزة بالنفس عما يتحصلون عليه من منافع، ويعتذرون للجماهير عما اقترفت أياديهم من أخطاء؛ بحق الوطن أولاً، وحق الجماهير ثانياً، وحق أنفسهم ثالثاً.. ولكن هيهات هيهات، فلم تجد كلماتي صدى في النفوس التي لم تكتفِ بما فعلت وبقيت في أخطائها يعمهون!
اليوم أكتب بعد أن تابعت ما دار في الاتحاد الأردني، وما قامت به سمر نصار الأمين العام للاتحاد على خلفية سوء بث مباراة منتخبهم مع منتخبنا الكروي؛ إذ اعتبرت أنها هي المسؤولة عن هذا الارتباك فاستقالت بكل شجاعة، ولم تختبئ خلف أصابعها، ولم تتذرع بكل ما فعلته من جهود يعرفها القاصي والداني في رحلة تأهل النشامى لكأس العالم. لم تقل: “أنا فعلت وعملت وأنا من يقرر”، فقدمت درساً أنثوياً يعجز الرجال عن تقديمه!
أمثلة للشجاعة
الاستقالة في أدبيات الرياضة الحقيقية ليست اعترافاً بالضعف بقدر ما هي “إعلان شجاعة”، وثقافة تحمل المسؤولية الأخلاقية التي غابت عن ملاعبنا ومؤسساتنا طويلاً.
ولعل موقف سمر نصار في الأردن لم يكن نسيجاً وحده في عالم المستديرة، بل هو امتداد لرجال ونساء اختاروا أن يكتبوا أسماءهم في سجل الكبرياء؛ فها هو الإيطالي تشيزاري برانديلي يضع استقالته على الطاولة فور الخروج المونديالي معلناً تحمل المسؤولية بمفرده دون أن يلصق الفشل بشماعة الأخطاء الفردية للاعبين.
وها هو تشافي هيرنانديز يترجل عن عرش تدريب برشلونة حين شعر أن الكيان يحتاج إلى صدمة إيجابية، متنازلاً عن حقه المالي في سبيل كرامة اسم النادي.
ولو أردنا أن نتذكر أكثر لقرأنا عن استقالات مارسيلو بيلسا؛ الذي استقال من مارسيليا بعد أول مباراة في الموسم، ومن لازيو بعد يومين فقط من توقيع العقد، وكان سبب الاستقالة هو نقض الإدارات لوعودها بالتعاقدات؛ حيث اعتبر أن البقاء في منصبه مع معرفته بعدم قدرته على تلبية طموح الجماهير هو “خيانه للأمانة وأكل للمال دون وجه حق”.
وفي عالمنا العربي، رأينا كيف أعلن وائل جمعة رحيله عن إدارة المنتخب المصري في لحظة انكسار شجاعة، مقدماً احترام الشارع الرياضي على البقاء في المنصب، وياسر المسحل عن رئاسة اتحاد كرة القدم السعودي عقب الإخفاق في المونديال الأخير، وعبد العزيز السمحان عضو اتحاد كرة القدم الكويتي بعد الأحداث التي رافقت مباراة منتخب بلاده مع العراق في تصفيات كأس العالم الأخيرة، وهاني أبو ريدة الذي ترك كرسي الرئاسة في الاتحاد المصري بعد خروج مصر من كأس الأمم الأفريقية عام 2019.
ثقافة الاعتراف بالخطأ
وهنا يحق لنا أن نتساءل، ونحن نرقب المشهد الكروي السوري الذي أثقلته الخيبات وتعددت فيه السقطات والتخبطات الإدارية والفنية: متى نرى في رياضتنا “استقالة شجاعة” واحدة؟
متى يخرج علينا مسؤولٌ أو مدربٌ أو إداريٌّ بعد كل تعثر أو سوء تنظيم ليقول بشهامة الرجال: “أنا أخطأت.. وأعتذر للجمهور السوري العظيم.. وهذا مقعدي أتركه لمن هو أقدر مني؟”
لا يوجد في أدبيات المناصب عندنا ما يمكن تسميته بثقافة التنحي عن المنصب وتركه لمن هو أكفأ. إن التشبث بالمناصب رغم توالي النكسات، ونسج الأعذار والتبريرات الواهية من مؤامرات كونية وسوء حظ وأخطاء تحكيمية، بات مرضاً عضالاً في جسد الرياضة السورية. لقد تحولت الكراسي لدينا إلى حق أزلي لا يُترك إلا بقرارات حلٍّ أو إقالات قسرية تُذهب ما تبقى من ماء الوجه مع أنها لم تحدث إلا قليلا.
لم أسمع من خلال معرفتي بالرياضة السورية على مدى أربعة عقود ونيف عن رياضي استقال أو مسؤول اعترف بخطئه، علماً أن الأخطاء والهدر والخيبات والفساد لا يمكن أن يتسع لها كتاب بآلاف الصفحات.. رغم وجود القرائن والإثباتات التي تدين الأشخاص علناً!
لا أريد أن أذكر القراء بمآسينا الرياضية الكثيرة، ولكن أود تذكير المسؤولين بأن يتعلموا على الأقل ثقافة الصدق مع النفس والإقرار بالخطأ لأنه فضيلة، ومن ثم شجاعة التنحي.
درس “سمر نصار” وما سبقه من دروس عالمية يخبرنا بوضوح: أن ترحل بشجاعة وأنت مرفوع الرأس، خيرٌ ألف مرة من أن تبقى في كرسيك يُشار إليك بالأصابع كسببٍ لكل خيبة.
فهل من مدّكرٍ في رياضتنا؟ أم أن شجاعة الاستقالة ستظلّ علامة مفقودة في رياضتنا التي أضناها الوجع؟
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة