دمشق – إبراهيم النمر
تنطلق في التاسع من الشهر الحالي منافسات الدوري السوري الممتاز لكرة القدم لموسم (2026 / 2027)، في وقت يُكشف فيه “الميركاتو” الصيفي عن تباين صارخ في فلسفة الأندية وبنائها للتشكيلات؛ بين أندية فضّلت الحفاظ على قوامها الأساسي وتدعيمه، وأخرى اختارت إعادة الهيكلة الشاملة، فيما تراوحت باقي الخيارات بين الرهان على الشباب، أو البحث عن نتائج سريعة عبر لاعبي الخبرة والمحترفين الأجانب.
ورغم حالة الحراك التي شهدها السوق الكروي، تبقى “عقدة الموسم الواحد” نقطة الضعف الأبرز؛ حيث يُفضل معظم اللاعبين التوقيع لمدة عام كروي واحد بحثاً عن المزايا المالية الأفضل في الموسم التالي، دون أدنى اعتبار لاسم النادي أو الولاء لـ “النادي الأم”.
تلك الظاهرة تتزامن مع خطأ إداري متكرر، يتمثل في إبرام تعاقدات تتجاوز الميزانيات المتاحة، لتبدأ الأزمات والمطالبات المالية مع أول صافرة، وتتحول الأندية إلى ساحات صراع بين اللاعبين والأجهزة الفنية والإدارات.
تعديلات الاتحاد.. وسوق مفتوح للأجانب
أدخل الاتحاد السوري لكرة القدم تعديلات جديدة على أحكام التعاقد مع اللاعبين المحترفين الأجانب لموسم (2026 – 2027)، منح من خلالها الأندية هامشاً أكبر في الاستقطاب؛ حيث أتاح قيد 4 لاعبين أجانب كحد أقصى من غير حاملي الجنسية السورية، مع استمرار معاملة اللاعب الفلسطيني كلاعب محلي. وفي المقابل، أبقى الاتحاد على حظر استقدام حراس المرمى الأجانب لحماية وتطوير الحارس المحلي.
هذه القرارات فتحت الباب واسعاً أمام الأندية لتوسيع خياراتها في سوق الانتقالات، لتتنوع جنسيات الوافدين الجدد بين أفريقيا، وأمريكا الجنوبية، ودول المغرب العربي.
الدوري السوري بنكهة فلسطينية.. وعلامات استفهام!
وفي ظل استمرار قرار معاملة اللاعب الفلسطيني كلاعب محلي، سارعت غالبية الأندية إلى إبرام تعاقدات مكثفة مع محترفين عرب وأفارقة، إلى جانب أعداد كبيرة من اللاعبين الفلسطينيين الذين حلوا بديلاً للاعب المحلي، وذلك رغم الشكوى الدائمة لإدارات الأندية من شح الموارد المالية. بل إن الأمر وصل بأحد الأندية إلى التعاقد مع أكثر من ثمانية لاعبين فلسطينيين دفعة واحدة!
وهنا يطرح الشارع الرياضي أسئلة جوهرية وحادة:
- كيف تُبرَم هذه التعاقدات بالجملة دون إجراء فحوصات طبية دقيقة، وقبل إخضاع اللاعبين للاختبارات الفنية الميدانية؟
- هل يخدم هذا التهافت العددي مستوى الدوري السوري وحاجته الفنية بالفعل؟
- أم أن الرعاة والممولين هم من يملكون القرار والتوجيه بنفي الرؤية الفنية ودون دراسة مسيرة اللاعب، لمجرد فرض أسمائهم؟
عودة “السومة”.. القيمة الفنية والتسويقية
وإذا كان هناك حدث استطاع أن يخطف الأضواء ويُحدث ثورة إعلامية في الميركاتو السوري، فهو نجاح نادي الوحدة في حسم صفقة النجم عمر السومة بعقد يمتد لموسمين.
عودة السومة إلى القواعد بعد سنوات طويلة من التألق الخارجي محطماً الأرقام في القادسية الكويتي، وأهلي جدة السعودي، والعربي القطري، والوداد المغربي، لا تحمل مكسباً فنياً داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل تُشكل إضافة جماهيرية ومكسباً تسويقياً للبطولة برمتها.
استثناء تدريبي وحيد.. والرهان على المحلي
وعلى صعيد الأجهزة الفنية، كان أهلي حلب النادي الوحيد الذي اتجه للمدرسة الأجنبية بتعاقده مع الروماني “فاليريو تيتا” لقيادة الفريق في الدوري المحلي وكأس التحدي الآسيوي خلفاً للمدرب أحمد هواش، الذي قاد “القلعة الحمراء” للتتويج بلقب الدوري لموسمين متتاليين.
أما باقي الأندية، فقد فضّلت الرهان على الكادر الوطني كخيار وحيد. ورغم الإضافة المفترضة للمدرب الأجنبي، وغيابه عن المشهد الكروي، يبقى التساؤل قائماً: هل يفهم لاعبنا عقلية المدرب الأجنبي؟ وهل يتطابق المستوى الفكري والفني للطرفين؟ نتمنى بالتأكيد أن نصل إلى هذا التوافق في حال تبديل أثوابنا التدريبية التي لاتزال ترواح مكانها في العقلية والهدف…!
بين “البرستيج” وواقع الإمكانيات
في المحصلة، يبقى التقييم الحقيقي لهذه التعاقدات مرهوناً بما سيُقدَّم فوق العشب الأخضر، لا سيما أن تجارب سابقة أثبتت فشل العديد من المحترفين في تقديم الإضافة المنتظرة. ويبدو أن التعاقد لدى بعض الأندية يدار بعقلية “البرستيج” والمحاكاة؛ لمجرد أن الأندية المنافسة تعاقدت مع أجانب، فيصبح التعاقد استعراضاً أسوة بالآخرين!
المال هو عصب الرياضة، والإمكانيات المالية هي من ترسم ملامح سوق الانتقالات والاستقرار الفني. وفي ظل غياب الرعاة الحقيقيين، واستسهال التعاقدات الخارجية على حساب القواعد والفئات العمرية (الأشبال والناشئين والشباب) التي تمثل العصب الحقيقي والرافد الأساسي لأي نادٍ، تظل أسئلة الشارع الرياضي تبحث عن إجابات: من أين تُغطى هذه الأموال؟ ومن المستفيد الحقيقي والسمسار الخفي خلف هذه الصفقات التي تبدو ضعيفة في مستواها الفني بغياب التقييم الحقيقي للمحترف القادم والاعتماد على سيرة ذاتية متواضعة وربما مقاطع فيديو مجتزأة؟
الدوري والمنتخب
لعل السؤال الأهم من خلال الدوري الذي سينطلق، هل سيخدم المنتخبات السورية بمستواه الفني، ومالذي طرأ من تغييرات فنية على الكوادر التدريبية لتكون بمستوى أفضل وتقدم للمنتخبات لاعب موهبة يخدم اللعبة، أم أن الأمر سيقتصر على عقود يقبض من خلالها المدرب أجوره وكفى..؟
إذا لم يكن هناك تصور لدى المعنيين عن كرة القدم السوري حول مفرزات الدوري وما سيطرحه من عوائد على كل الصعد فأنه سيبقى مجرد نشاط “لا يسمن ولا يغني عن جوع” وتنفيذ أجندة يستطيع أن موظف في الاتحاد تنفيذها بعيدا عن وجود اتحاد برمته “يسافر ويجادل” ومن أهم مهامه أن يطرح استراتيجيته حول مردود النشاط الذي يقوم به وانعكاسه على المستوى العام من كل الجوانب.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة