بحثا عن “كبش فداء” لاعبو الفرق المتواضعة يلومون زملاءهم  

 

محمد تركي الدعفيس

خمسة أهداف شهدها الشوط الثاني لمباراة العراق والكويت في كأس الخليج 2026 المقامة حاليا في جدة السعودية، لكن شوطها الأول شهدت أضعاف عدد أهدافها من لحظات عتاب اللاعبين في كل فريق لزملائهم بسبب تمريرةٍ لم تصل، وتمركزٍ لم يكن في الموضع المتوقع، وتحركٍ لم يكن حسب المأمول، وتسديدة غالطت المرمى، وركلة كانت أضعف من أن تُرسل الكرة نحو المكان المنشود.

مشاهد مماثلة تكررت في مباراة الأردن التي كانت تلاقي سوريا (1 ـ 1) الأحد 27 سبتمبر الماضي في العاصمة الأردنية بعيدا عن حسابات التاريخ والمواجهات الرسمية، حيث جاءت في إطار “مباراة ودية”.

هذا التكرار المتواتر في كثير من مباريات الفرق “المتواضعة”، يرسم كثيرا من علامات الاستفهام، على الأخص حين نقارنها بمباريات نظيرتها المتقدمة، والمحترفة، حيث لا نرى هناك عتابا، ولا لوما، ولا تذمرا فوق المستطيل الأخضر، بل يحرص كل لاعب على تأدية دوره وحسب، دون أن يبحث عن لوم زميل، بل يرّحل كل اللوم والعتب، وحتى الخصام، إلى غرف الملابس وقاعات الاجتماعات.

إزاحة اللوم

إذا كان زمن اللعب الفعلي خلال مباريات الفرق المتواضعة لا يزيد عن 30 إلى 35 دقيقة من أصل 90 دقيقة هي الزمن الرسمي للمباريات، فإن مشاهد اللوم والمعاتبة بين الزملاء في تلك الفرق تستهلك زمنا مماثلا حيث تعقب كل كرة مقطوعة، وكل تمريرة لم تكتمل، وكل فرصة أهدرت.

ويطلق المختصون على هذا السلوك مسمى “إزاحة اللوم” أو “اللوم الاستعراضي” حيث يتم تحويل الملامة للزميل، في حيلة نفسية تنقل مسؤولية الفشل إلى طرف آخر، وتُعفي اللاعب “اللوّام” من المسؤولية حسب ظنه، حيث يشيع وهمًا أنه لم يُقصر، ويوحي أنه لو تسلم تمريرة سليمة لسجل هدفا، أو أن زميله لو تمركز في موضع آخر لاستلم كرة مريحة وأتيحت له فرصة.

هذه المحاولات التي يمكن كذلك تسميتها “إبراء الذمة البصري” تعتمد على تحويل الانتباه، وتمثيل اللاعب دور الضحية، حيث يدّعي أنه ضحية قلة تركيز زملائه، وأن مستواه أعلى من مستوياتهم.

خدعة أوراق اللعب

ذات يوم حضرت مع أحد الأصدقاء سهرةً، كان عدد من الرفاق يلهون خلالها بـ”ورق اللعب” لكن واحدا منهم كان دائم الصراخ على شريكه، يلومه على كل ورقة يلقيها، وكل ورقة يحتفظ بها، وحين خرجنا من السهرة بادرني صديقي بالقول: “أرأيت فلانا، إنه لاعب ورق ممتاز”، وحين سألته كيف عرف أنه لاعب ممتاز، أجابني: “ألم تسمع كم صرخ على زميله؟!”.

هذا الأسلوب يمارسه بعض اللاعبين عمدا في المباريات لإسقاط عيوبهم على بقية الزملاء، والادعاء أنهم قاموا بما عليهم لكن الزميل تحرك بشكل خاطئ، ولم يفهمهم.

وفي لعبة جماعية مثل كرة القدم لا يبدو صعبا أن يختبئ اللاعب خلف أخطاء زملائه، وحين يبادر للإشارة والصراخ والتذمر والعتاب فإنه يحاول أن يظهر أمام الجمهور المتابع بمظهر “المتحمس” والشخص الذي يأسَف على إهدار فرصة، أو ضياع كرة، أو عدم استثمار هجمة، أو عدم التعامل كما يجب في حالة دفاعية تحولت الكرة خلالها إلى هدف في شباك الفريق.

ولعل تركيز لاعبي الفرق المتواضعة في الغالب على تسويق أنفسهم، أو مبالغتهم في الحرص على الاحتفاظ بمركز أساسي في التشكيلة يجعلهم يرون في الاعتراف بالخطأ تهديدا لقيمتهم، وتقليصا لفرص استمرارهم مع الفريق.

لماذا يغيب العتاب؟

في المقابل، لا نلمس مثل هذا العتاب بشكله الجلي في مباريات فرق المحترفين المتقدمة كرويا (ولا يشمل هذا ما نسميه دوري محترفين أو فرق محترفة في بلادنا، لأن مفهوم احترافنا يقتصر فقط على أن اللاعب ينال راتبا لتوقيعه عقدا مع الفريق، دون أن يمتد ليشمل كل المناحي التي يفترضها الاحتراف من الالتزام ببرنامج التدريب والطعام والنوم والراحة وحتى التصريحات والسلوك داخل الملعب وخارجه).

ويعود غياب هذا العتاب إلى وجود منظومة احترافية متكاملة في الفرق المتقدمة، أو فرق النخبة، وهي منظومة تقلّص مساحة الاجتهاد الشخصي، وتضيّق الخناق على الاتهامات العشوائية، وترسم أدوار كل فرد في المنظومة الجماعية الأدائية للفريق ككل، وهنا حين يحدث الخطأ فإن الزملاء والجهاز الفني والمدرب جميعهم يدركون من هو المخطئ، فلا يعود الصراخ، ولا إشارات اللوم والعتاب تعني تنصلا من المسؤولية، أو تبرئة للذات، وبالتالي تنتفي كل جدوى منها.

فوارق النضج

لا يتعلق غياب عتاب اللاعبين في الفرق المتقدمة مقارنة بتلك المتواضعة بتميز الأولى بمنظومتها الاحترافية فقط، بل يسهم النضج العاطفي والثقة بالنفس لدى اللاعب في الفرق المتقدمة بدور مؤثر في هذا الجانب، حيث تمنح هذه الثقة اللاعب شجاعة كافية للاعتراف بالخطأ، ومن هنا نلحظ أن عددا من لاعبي هذه الفرق يسارعون لرفع اليد في حركة يُفهم منها الاعتذار من بقية الزملاء عند ارتكاب أي هفوة.

واعتذار اللاعب المحترف عن خطئه لا يرتبط فقط بالشجاعة، بل يعود كذلك إلى إدراكه الواعي أن فريقه المتقدم احترافيا لديه جهاز فني يحلل ويرصد كل حركة، ويقيس كل جهد، وأي محاولة خداع بإلقاء اللوم على زميل آخر لن تنطلي على هذا الجهاز، بل قد يلحق به إضافة إلى خطأ الأداء، خطأ “التهرب” من المسؤولية.

قلة الأخطاء

تقول الإحصائيات أن معدل التمريرات الخاطئة لدى الفرق المتواضعة فنيا يصل إلى نحو 35 %، فيما لا يتعدى 10 % تقريبا لدى الفرق المتقدمة، أي أن دقة التمرير لدى هذه الفرق الأخيرة تلامس الـ90 % من مجموع التمريرات.

وتبدو هذه الإحصائيات منطقية للغاية، فالفرق المتقدمة تبني اللعب تدريجيا من الخلف، وتعمل على كثرة التمرير في الخلف والوسط لخلخلة تمركز الخصم وبالتالي اختراق حصونه، ووفق هذا المنطق فإن قلة الأخطاء تقلل بدورها من مساحة العتب واللوم بين الزملاء، على عكس الحال لدى الفرق المتواضعة التي يعجز معظمها عن بناء هجمة من 8 إلى 10 تمريرات، يُقطع غالبها، ليس لمهارة الخصم، بل لعدم القدرة على تمرير ما هو أكثر منها على نحو صحيح، ومن هنا فإن وفرة الأخطاء توّلد ولا شك وفرة اللوم.

صرامة المدربين والإداريين

غالبا ما تحظى الفرق المحترفة المتقدمة بمدربين ومدراء صارمين، فمدربون من عيار الإسباني بيب جوارديولا، والإيطالي كارلو انشيلوتي، والبرتغالي جوزيه مورينيو، ومن قبلهم الإيطالي فابيو كابيلو، والإنجليزي اليكس فيرغسون، والسوفيتي فاليري لوبانوفسكي، لا يسمحون مطلقا لأي لاعب أن يعاتب زميلا أو يلومه علنا في الملعب، لأنهم يرون في ذاك السلوك تهديدا لتماسك الفريق، وتجاوزا على صلاحيات المدرب.

كما أن مدراء ورؤساء أندية ومنتحبات من عيار رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز، ورئيس نابولي أوريليو دي لاورينتيس، ورئيس توتنهام دانييل ليفي، ورئيس أتلتيكو مدريد خيسوس جيل لا يسمحون مطلقا لأي لاعب مهما بلغت نجوميته أن يهز تماسك الفريق أو يؤثر في صورته بلوم أو اعتراض.

وتنعكس صراحة المدربين والمدراء على أرضية الميدان عبر التزام كل لاعب بدوره دون محاولة خلق “كبش فداء” لأخطائهم.

 

 

 

عن admin1

شاهد أيضاً

اوف سايد  

    نضال خليل النصيحة بجمل غم لياقتها البدنية العالية، والتمارين القاسية التي تمارسها يومياً، …