مونديال 2026 لم يشعرني بالوحدة بل كان 3 بطولات منفصلة.. وقطر صدّرت التنظيم للعالمية
روما – رضوان علي الحسن
من ميادين ألعاب القوى ومنصات تتويج السرعة، إلى خطوط صانعي الألعاب في صالات كرة السلة، وصولا إلى المستطيل الأخضر كإحدى رائدات كرة القدم النسوية في لبنان؛ لم تكن الرياضة بالنسبة لها مجرد هواية، بل كانت أسلوب حياة وهواية طفولة بدأت في سن الخامسة. هي الإعلامية التي حطمت النمطية في الإعلام الرياضي العربي، لتصنع لنفسها اسما من ذهب كأول امرأة عربية تقتحم كابينة التعليق الرياضي في كرة السلة وكرة القدم، فارضة حضورها الفني الطاغي وثقافتها الكروية العميقة.
وفي هذا الحوار الخاص بـ جريدة الرياضة والحياة، نلتقي بنجمة شاشة قناة beIN SPORTS الإعلامية آسيا عبد الله، لتفتح لنا قلبها وعقلها في حديث يتسم بالصراحة والعمق. تبحر معنا في تفاصيل رحلتها من الصحافة المكتوبة إلى الشاشة البرتقالية، وتكشف لنا عن التحديات التي واجهتها، وسر ثباتها المهني. كما تأخذنا في جولة داخل منزلها الاستثنائي الذي يجمع أربع جنسيات وثقافات مختلفة رفقة زوجها الإعلامي جهاد يوسف، لنكتشف كيف يتدفق الحوار الرياضي والمنافسة العائلية خلف الكواليس. ولم يخلُ حديثنا معها من قراءة فنية ثاقبة لأحداث مونديال 2026، وتفوق “لاروخا”، والمقارنة بين تنظيم أمريكا الشمالية والنسخة التاريخية في قطر 2022.
إليكم تفاصيل هذا الحوار الشيق والممتع..
- إذا طلبنا منك تقديم “اسيا عبد الله” للجمهور في سطور، كيف تختصرين بطاقتك الشخصية والإعلامية؟
أنا رياضية وعداءة سابقة حائزة على ذهبية بطولة لبنان في سباق المئتي متر، وبرونزية الثمانمائة متر مع نادي الأنصار اللبناني في بيروت. انتقلت بعدها لممارسة رياضة كرة السلة مع النادي الرياضي بيروت كصانعة ألعاب لسنوات عديدة، قبل أن أنتقل الى عالم كرة القدم وأنضمّ الى أول منتخب نسوي في لبنان. اضطررت بعدها للتفرّغ لدراستي الجامعية فحصلت على إجازة (ليسانس) في الإعلام المرئي والمسموع، وبعدها على شهادة الماجستير في الصحافة، وبموازاة ذلك عملت كصحافية في عدد من الصحف اللبنانية والعربية كالرأي العام الكويتية والشرق والاخبار اللبنانيتين، ما فتح أمامي المجال للانضمام الى قناة الجديد كمذيعة للأخبار والبرامج الرياضية، وبعدها بأربعة أشهر فقط تلقيت عرضا للعمل في قناة الجزيرة الرياضية وكان ذلك في آب أغسطس عام الفين وثمانية، بعدها بأشهر انتقلت الى قطر وبدأت عملي مع البرتقالية في يناير ألفين وتسعة كمذيعة ومعلقة، وفيها أصبحت أول معلقة لكرة السلة وأول معلقة لكرة القدم في العالم العربي.
- بين ريادة التعليق على كرة السلة وكرة القدم وتألقك في التقديم، أين تجدين ذاتك وشغفك الأكبر اليوم؟
حين تكون ملما في الأمور الفنية تشعر وكأن التعليق يفتح المجال أمامك لتشرح للمشاهد وتفسّر له ما يحدث على الشاشة، ولا شعوريا حين أكون في غرفة التعليق أرى نفسي لا أعلق فقط، بل أشرح فنيا ما يحدث وكأنها رواية انا من يكتبها.. لكن أنا أيضا أعمل كمذيعة ومقدمة وبالتالي لا فرق لدي بين عمل وآخر طالما أنني أعمل في المكان والمجال الذي أحب، الرياضة، وهو المجال الذي كبرت عليه مذ كنت في سن الخامسة.
- ما هو التحدي الأبرز الذي واجهك خلال مسيرتك وكيف تطورت طموحاتك داخل أروقة beIN SPORTS؟
لم أواجه يوما مشكلة في تقبّلي في أي مكان لا في التقديم ولا في التعليق ولا في الكتابة الصحافية، لأنني ببساطة رياضية مدركة للأمور الفنية والتكتيكية، والجمهور ذكي.
الصبر هو أكبر التحديات التي واجهتني ولا تزال، وأعني هنا الصبر للحصول على الفرصة وعلى استغلالها وعلى تحقيق التطور من خلال هذه الفرصة التي قد تنتظر سنوات للحصول عليها. مجالنا ليس سهلا أبدا وأنا ومنذ بدايتي كنت من الأشخاص الذين يتقدّمون مهنيا ببطء شديد لكن والحمد لله بثبات. دائما أنتظر الفرصة المقبلة لتقديم ما لديّ فموضوع أن تفوق إمكانياتك الفرص المتاحة أمامك هو أمر معقّد ويحتاج صبرا جميلا.
- في ظل المنافسة الشرسة ودخول شبكات رياضية عربية كبرى ما هو السر وراء استمرار beIN SPORTS في الصدارة؟
أعتقد أن الفضل يعود لوجود إدارة حكيمة بنت لسنوات طويلة هذا الاسم العملاق، وثبّتت أقدامها في السوق العربية والعالمية.
- كيف ينعكس وجود زوجك الإعلامي جهاد يوسف في نفس القناة على حياتكما اليومية؟ وهل يطغى الحوار الرياضي على المنزل؟
جهاد مثقف بطبيعته سياسيا ورياضيا ودينيا وأنا من الشخصيات المهووسة بالقراءة والمتابعة وهذا ما يجعل الحديث في بيتنا مزيجا من كل شيء، نتابع المباريات سوية ونحلل معا ونسرد الفوارق في القواعد بين رياضة وأخرى. نحن غالبا ما نختلف بشأن الحالات التحكيمية، انا أعترض وهو يبرّر وهكذا حتى يُقنع أحدنا الآخر بوجهة نظره.
- ما هي ميزة وجود شريك يفهم طبيعة وضغوط العمل الإعلامي الرياضي وساعاته الطويلة؟
هو سيف ذو حدّين، من ناحية تفهّم ساعات العمل الطويلة جدا والبقاء لساعات الفجر الأولى في العمل او الخروج من المنزل الى العمل فجرا هي كلها أمور معقدة لا يستوعبها أي رجل إلا لو كان يعيش الأجواء نفسها، وبالتالي من هذه الناحية نحن مستوعبان لواقع ظروف العمل كل منّا للآخر، لكن هذا الموضوع يجعلنا لا نلتقي كثيرا في حياتنا اليومية إلا لسويعات قليلة جدا. نحن في حالة انشغال دائم، بالكاد نملك الوقت لنرى بعضنا البعض وهذه هي الضريبة.
- على صعيد الميول الرياضية وتفضيلات الأندية والمنتخبات والنجوم، هل هناك اختلاف وتنافس بينك وبين زوجك أم توافق تام؟
أنا أعرف المنتخبات والأندية التي يشجّعها جهاد، وأعرف مدى تأثير نتائجها على نفسيّته ومزاجه، وأحبّ أن تحقق الفوز دائما لأراه فرحا ومرتاح البال، حتى لو كان ذلك على حساب النادي الذي أشجعه أنا. أنا أشجع في كل بلد ناديا أما ناديّ المفضل فأساسا لا يلعب في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى وهذا أمر جيد بالنسبة لي وله. لكن في بعض الأحيان نختلف خصوصا في المباريات النهائية إلا ان هذا لا يجعل الأجواء سلبية، على العكس تكون الأجواء حماسيّة في البيت هذا إذا أتيحت لنا الفرصة لنتابع المباراة في بيتنا، عادة نكون في القناة، كل في عمله! لكن سأخبرك سرا وهو أن جهاد يدفع لي مبلغا من المال عن كل فوز يحققه ناديه، هذه الطريقة التي يفرح بها معي، وفي حال فاز ناديه بلقب فالمبلغ يزيد تلقائيا، بالتالي أنا مستفيدة في كل الأحوال.
- في منزلكم يجتمع انتماء لبناني تركي سوري فلسطيني، كيف حدث هذا التنوع الثري، وكيف ينعكس على أجوائكم العائلية؟
حسنا أنا من أصول يونانية تركية لبنانية من الأب، وتركية يونانية سورية لجهة الأم وزوجي فلسطيني من مواليد قطر وهذا بحدّ ذاته يجعلنا نعيش في بيت منفتح جدا على أكثر من ثقافة ولغة ولهجة. لا أنكر ان هذا الامر ساهم بشكل كبير في اختيار أحدنا للآخر، فحقيقة أن يكون والداك من أصول مختلف ومتعددة يجعلك تبحث عن شريك حرّ هو الآخر ومنفتح وهذا ما حصل. هذا جعلنا ننتمي الى كل هذه الثقافات على حدّ سواء.
- عشنا مؤخرا إثارة مونديال 2026 في كل من الولايات المتحدة، كندا والمكسيك، كيف تقيّمين التنظيم الثلاثي وتوسيع البطولة الى 48 منتخبا؟
لقد خدمت منتخبات مثل منتخب الرأس الأخضر النظام الجديد لكأس العالم، فمجرّد بلوغه دور الاثنين والثلاثين ومواجهته الأرجنتين بهذه الروح شكّل حالة جميلة وجعلنا نشعر أنه كان يستحق التواجد في كأس العالم. لكن حين تنظر الى نظام التأهل وترى ان هناك فرصة لأفضل ثمانية فرق تحتل المركز الثالث فإنك تشعر ان هذا الإجراء أفقد دور المجموعات طابعه المليء بالإثارة والتشويق كما ان هناك منتخبات لعبت الجولة الأخيرة وهي تعلم ان التعادل حسابيا يكفيها.. لكن بصراحة 104 مباريات هو أمر جنوني.
أما فيما يخص التنظيم والأمور اللوجستية، فقد قرأت تقريرا لشبكة بي بي سي يقول إن 11 دولة من أصل 48 دولة مشاركة واجهت معدل رفض لتأشيرات الدخول تجاوز 40% وهي نسبة مرتفعة. لقد تكلف الأمر التعامل مع ثلاثة أنظمة قانونية مختلفة وإجراءات مراقبة الحدود وشبكات النقل. شخصيا لم أشعر انها كانت بطولة كأس عالم موحدة، بل أشبه بتنظيم ثلاث بطولات مختلفة في آن واحد.
- بعد فوز اسبانيا باللقب العالمي، هل ترين أن “لاروخا” استحق الكأس وتوّج سيطرته الكروية بجدارة؟
فوز اسبانيا بلقب كأس العالم كان انتصارا حقيقيا لرياضة كرة القدم، هاجموا وسيطروا وخلقوا الفرص وترجموها إلى أهداف… أليس هذا هو جوهر كرة القدم التي نحبّها ونريد أن نشاهدها؟ الاسبان الآن يعيشون واحدة من أكثر الحقبات هيمنة في تاريخ كرة القدم الدولية، بعد أن باتت اسبانيا اول دولة تجمع بين لقبي كأس العالم للرجال والسيدات في آن واحد، وعلى مدار خمس سنوات وفي مختلف الفئات العمرية عند الرجال والسيدات والشباب حصدت إسبانيا حصيلة مذهلة بلغت ستة عشر لقبا عالميا وقاريا. هذا كله دون ان ننسى ان المنتخب الأول خاض طريقا صعبا للغاية في الأدوار الإقصائية حيث تغلّب على النمسا والبرتغال وبلجيكا وفرنسا والأرجنتين ولم تستقبل شباكه سوى هدف واحد. لقد استحقّوا اللقب أكيد.
- كمقارنة بين نسختين استثنائيتين، ما الذي تميّز به مونديال 2026 مقارنةً بالتنظيم التاريخي لمونديال قطر 2022؟
من ناحية التنظيم لا اعتقد ان أحدا سينظّم كأس العالم بالطريقة التي نظّمتها قطر، والسبب أن العقلية القطرية مختلفة وفريدة من نوعها، هي تقوم دائما على محاولة تقديم الأفضل ومحاكاة الكمال لدى تنظيمها لأي حدث او مشروع. وبالتالي الموضوع لا علاقة له بكأس العالم كبطولة رياضية وإنما بالعقلية نفسها التي تنظم، أنت تتحدث عن عقلية احترافية. بعد مونديال 2022 اندمجت الكوادر القطرية بفاعلية ضمن الهيئات المنظمة للبطولات اللاحقة بهدف مشاركة المعرفة والخبرات، كما تمركز خبراء قطريون في المدن المضيفة الرئيسية لمونديال 2026 مثل فانكوفر في كندا لإدارة قطاعات النقل الحيوية وتنظيم تنقل الفرق والحكّام وكبار الشخصيات. بالتالي أنت تتحدث هنا عن مشاركة الملكية الفكرية والمعرفية وتصديرها الى دول العالم.
- كيف تقيمين واقع التعليق الرياضي العربي الحالي بين الالتزام بالتحليل الفني والانجرار وراء “الترند” والإثارة؟
لست معلّقة مخضرمة لأحكم على من هم أكبر مني سنا وقيمة وخبرة، وشخصيا أنا مع أن يأخذ المعلق بعين الاعتبار فكرة الإثارة و”الترند” فنحن في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لكنني ضدّ أن يكون ضحية لها.. ممكن أن يستخدمها لمصلحة التعليق لكن ألا تستغلّه هي فنكون امام حالة من التعليق الهابط.
- إذا سألناك عن خليجي 27 في السعودية، كيف تقيمين استضافة جدة للبطولة؟
في الحقيقة، الحديث عن خليجي 27 في جدة هو حديث عن عودة البطولة إلى أرضها وبين أهلها، وهي التي انطلقت قبل أكثر من خمسة عقود لتجمع الأشقاء على قلب رجل واحد. السعودية اليوم لا تستضيف مجرد بطولة، بل تقدّم درساً في العقلية الاحترافية التي تحدثنا عنها سابقاً، وهي العقلية التي تعرف كيف تحوّل الحدث الرياضي إلى مشروع حضاري وثقافي متكامل. أنت تتحدث عن مدينة جدة، عروس البحر الأحمر، التي تحتضن البطولة للمرة الأولى في تاريخها، وهذا بحدّ ذاته حالة خاصة تستحق التوقف عندها.
ما لفت نظري حقاً هو الهوية البصرية للبطولة، فالشعار مستلهم من “الرواشين” التاريخية في جدة القديمة، ليرسم شكل كأس البطولة في خطوة ذكية تربط الإرث الثقافي والمعماري للمدينة بروح المنافسة الخليجية. هذا ليس مجرد تصميم جميل، بل هو رسالة واضحة بأن الرياضة في المنطقة ليست حدثاً منفصلاً عن هويتنا وتراثنا، بل هي امتداد طبيعي له. جدة، بتاريخها وحاضرها، قادرة على تقديم نسخة استثنائية تجمع بين أصالة المكان وحداثة التنظيم.
أما على الصعيد الفني، فالبطولة تقام على ملعبين من الطراز العالمي: ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية، وملعب مدينة الأمير عبدالله الفيصل الرياضية. ثمانية منتخبات، وخمس عشرة مباراة، ونهائي مرتقب في السادس من أكتوبر. الأجواء في جدة تبدو مثالية لكرة قدم خليجية مفتوحة وممتعة، كما رأينا في المباريات الأولى التي جاءت قوية وتنافسية. أعتقد أن السعودية، بكل ما تملكه من خبرة في تنظيم الأحداث الكبرى، قادرة على أن تقدم نسخة تليق بتاريخ البطولة وتطلعات جماهيرها. ومن وجهة نظري، هذا ليس مجرد استحقاق رياضي، بل هو تجسيد لرؤية أوسع تضع الرياضة في قلب التنمية والانفتاح.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة