محللون بلا أدوات وإعلاميون بلا بوصلة
إسطنبول – حازم الكاديكي
ثمة لحظة في البطولات الكبرى يصبح فيها الإعلام مرآة للحدث، ثم يتحول من مرآة إلى حدث آخر يوازيه ويزاحمه وربما يطغى عليه. وفي “خليجي 27” بجدة تبدو هذه اللحظة واضحة إلى حد يجعل السؤال عن البطولة نفسها متداخلًا مع السؤال عن الطريقة التي قُدمت بها، وعن الصورة التي صنعتها الشاشات، وعن الصوت الذي ارتفع فوق أصوات المدرجات، وعن تلك المسافة الغامضة التي اتسعت بين وفرة ما يصل إلى الجمهور وندرة ما يبقى في ذاكرته.
فالرياضة الخليجية دخلت هذه البطولة محمولة على إرث طويل من الحكايات والمنافسات والذكريات، ودخل معها الإعلام العربي بكل ما امتلكه من قنوات ومنصات ومراسلين ومحللين وصناع محتوى وأدوات رقمية قادرة على الوصول إلى المتلقي في اللحظة نفسها التي يتحرك فيها اللاعب داخل الملعب؛ لكن وفرة الوسائل لا تعني بالضرورة وفرة المعنى، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
بنية رقمية متكاملة ومفارقة في المحتوى
لقد أظهرت جدة قدرة تنظيمية وإعلامية واسعة تليق بحجم البطولة، إذ أعدت اللجنة المنظمة بنية إعلامية متكاملة شملت دليلًا إعلاميًا موحدًا، وتسهيلات للصحفيين والمصورين، ومراكز إعلامية لاستقبال الوفود. وبحسب ما أعلنته اللجنة الإعلامية قبل انطلاق البطولة، بلغت طلبات التصاريح الإعلامية نحو 600 طلب، وهو رقم يكشف حجم الحضور الصحفي حول الحدث، ويؤكد أن البطولة لم تكن فقيرة في أدوات التغطية ولا في الإمكانات التي تسمح بصناعة منتج إعلامي متقدم.
لكن المفارقة بدأت من مكان آخر؛ فكلما ازدادت جودة الصورة ازداد السؤال إلحاحًا عن جودة الفكرة، وكلما أصبحت عملية الوصول إلى المعلومة أسرع أصبح التثبت منها أكثر ضرورة، وكلما ارتفع عدد المتحدثين في الاستوديوهات والمنصات صار السؤال أكثر أهمية عن مقدار ما يضيفه كل صوت إلى معرفة الجمهور. وهنا لا يعود النقد منصبًا على قناة بعينها، ولا على منصة محددة، ولا على اسم إعلامي بعينه؛ وإنما يصبح نقدًا لمنظومة كاملة بدأت في بعض نماذجها تخلط بين الإعلام الرياضي وصناعة الضجيج.
فالمباراة في الملعب لها تسعون دقيقة، أما المباراة على الشاشة فقد تمتد إلى اليوم التالي. وفي الملعب هناك خطوط ومسافات وتمركز وتحولات وضغط واستحواذ وتبديلات وقرارات فنية؛ وفي بعض الشاشات يتحول كل ذلك إلى مناسبة جديدة للخصومة، وإلى مادة قابلة للاشتعال، وإلى سباق على الجملة الأكثر قدرة على إثارة الجمهور.
بين الإثارة وفلسفة “التريند“
أن يصبح الحدث الرياضي مادة للجدل أكثر مما هو مادة للفهم، وأن يصبح التصريح أهم من السياق، والانفعال أهم من المعلومة، والشخص أهم من الفكرة، والتريند أهم من التحليل؛ ليس في الإثارة خطأ حين تكون جزءًا من صناعة المشاهدة، فالرياضة بطبيعتها تقوم على العاطفة والمنافسة والحماسة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الإثارة من عنصر في المنتج الإعلامي إلى فلسفة كاملة تحكم المنتج كله.
عندها يصبح الاستوديو بحاجة إلى خلاف حتى عندما لا يوجد خلاف، ويصبح الضيف مطالبًا بموقف حاد حتى عندما تكون الحقيقة أكثر هدوءًا، ويصبح المقدم أمام إغراء صناعة مواجهة بين ضيفين بدل صناعة حوار بين فكرتين. وهنا يخسر الإعلام شيئًا لا تعوضه ملايين المشاهدات؛ وهو احترام عقل المتلقي.
فالمشاهد الرياضي العربي لم يعد ذلك المتلقي الذي ينتظر خبر المباراة من شاشة واحدة ثم يغلق التلفزيون بعد صافرة النهاية؛ لقد أصبح قادرًا على الوصول إلى اللقطات، والإحصاءات، والمقابلات، والتحليلات العالمية، ومقاطع التدريب، والبيانات التكتيكية في دقائق قليلة، ولهذا فإن التعامل معه بمنطق الجملة الجاهزة والعبارة المستهلكة لم يعد كافيًا.
تطور اللعبة وجمود القاموس التحليلي
الجمهور تطور أسرع من بعض الخطاب الإعلامي الذي يخاطبه، واللعبة نفسها تطورت أسرع من القاموس الذي يحاول وصفها. ما زالت بعض التحليلات تتحدث عن الروح والحماس والقتالية وكأنها تكفي لتفسير مباراة كاملة، بينما كرة القدم الحديثة أصبحت أكثر تعقيدًا من أن تختصر في هذه المفردات.
المحلل الحقيقي لا يكتفي بأن يقول إن منتخبًا كان أفضل؛ عليه أن يشرح لماذا كان أفضل. ولا يكتفي بالقول إن المدرب أخطأ؛ عليه أن يحدد أين بدأ الخطأ وكيف ظهر وما البديل الممكن ضمن الإمكانات المتاحة. ولا يكتفي بوصف لاعب بأنه تألق أو تراجع؛ عليه أن يبحث في وظيفته، وفي المساحات التي تحرك فيها، وفي علاقته بزملائه، وفي الظروف التي أحاطت بأدائه.
هذه هي المسافة بين “مشاهدة المباراة” و”قراءة المباراة”، وهي مسافة لا يمكن قطعها بالصوت المرتفع، ولا بالنجومية السابقة، ولا بكثرة الظهور. فاللاعب السابق يملك تجربة ثمينة لا شك فيها، لكن التجربة وحدها لا تصنع محللًا، والاسم الكبير لا يمنح صاحبه تلقائيًا القدرة على تفكيك التنظيمات الحديثة، ولا على قراءة التحولات، ولا على استخدام الأرقام، ولا على تحويل المشاهدة إلى معرفة.
التحليل مهنة لها أدواتها كما أن اللعب مهنة لها أدواتها، وقد يكون لاعب أقل شهرة أكثر قدرة على شرح كرة القدم من نجم سابق؛ لأن المسألة في النهاية ليست في عدد المباريات التي لعبها المحلل، وإنما في قدرته على فهم ما يراه ثم صياغته بصورة تجعل المتلقي يرى معه.
وهنا تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية؛ وهي انحياز المحلل. ليس المطلوب من المحلل أن يتخلى عن مرجعيته الكروية، ولا أن يدعي أنه بلا ذائقة أو بلا مدرسة أو بلا تصور عن كرة القدم، فكل إنسان يملك مرجعية ومن خلالها يرى اللعبة؛ لكن المهنية تبدأ عندما يستطيع أن يعزل هذه المرجعية أثناء فحص الفكرة: أن يفهم المدير الفني أولًا قبل أن يحاكمه، وأن يقرأ ما أراد المنتخب فعله قبل أن يقرر أن ما فعله خطأ.
فلا توجد فكرة ناجحة في كل ظرف، ولا توجد فكرة فاشلة في كل ظرف؛ قد تنجح طريقة في منتخب لأنها تناسب نوعية لاعبيه، وقد تتعثر في منتخب آخر لأن الأدوات مختلفة، وقد يتغير القرار التكتيكي بسبب نتيجة المباراة، أو حالة لاعب، أو طبيعة المنافس، أو الزمن المتبقي. ولهذا فإن التحليل الذي يفرض مرجعية المحلل على المدير الفني يتحول إلى عملية بحث عن الأخطاء بدل أن يكون عملية فهم للفكرة، وهنا يصبح النقد نقع غلّة حين يروي ظمأ المعرفة بدل أن يزيد عطش الجدل.
فوضى الإعلام الرقمي والمسؤولية الأخلاقية
أما في الإعلام الرقمي فقد حدث تحول أكبر؛ فالمنصة لم تعد تنتظر الاستوديو التحليلي كي تمنحها التفاصيل. المشجع أصبح مصورًا، والمصور أصبح ناشرًا، والناشر أصبح محللًا، والمحلل أصبح في أحيان كثيرة مصدرًا لنفسه. وهذا التحول فتح أبوابًا هائلة أمام الإعلام الرياضي لأنه منح الجمهور سرعة غير مسبوقة في الوصول إلى الكواليس، وأتاح مساحة واسعة للأصوات الجديدة، وأصبح من الممكن أن يظهر تحليل ممتاز من حساب شخصي لا يمتلك أستوديو ولا كاميرا تلفزيونية.
لكن الوجه الآخر لهذا التحول أن السرعة بدأت في بعض الأحيان تسبق الحقيقة: خبر إصابة ينتشر قبل صدوره من مصدر رسمي، وقصة خلاف تظهر من جملة مبتورة، وتغريدة تتحول إلى حقيقة لأنها حققت انتشارًا واسعًا، ومقطع قصير يصبح دليلًا على واقعة كاملة رغم أنه لا يقدم سياقها.
وهنا تصبح المعلومة بحاجة إلى غربلة أشد من أي وقت مضى؛ فالخبر الذي يحتاج إلى دقيقة حتى ينتشر قد يحتاج إلى ساعة حتى يثبت، والتصحيح الذي يصل بعد آلاف المشاركات لا يستعيد بالضرورة المساحة التي احتلتها الرواية الأولى. لهذا فإن الإعلام الرقمي يحتاج إلى مهنية أكثر لا إلى مهنية أقل.
وقد جاءت مواقف تنظيمية لتؤكد هذه المسألة بوضوح حين شددت بعض الجهات الحكومية في دول عربية على أن المحتوى الرقمي يخضع للقواعد المهنية ذاتها التي يخضع لها الإعلام التقليدي، وأن طبيعة المنصة لا تعفي صاحب المحتوى من المسؤولية، كما أكدت ضرورة الفصل بين النقد الرياضي المهني وبين التجريح والاستهداف الشخصي والمناكفات الإعلامية.
وهذه ليست قضية خليجية وحدها، وإنما واحدة من الأسئلة الكبرى التي يواجهها الإعلام الرياضي العربي كله:
- كيف نمنح الجمهور حرية التفاعل من دون أن نترك المجال مفتوحًا أمام خطاب الكراهية؟
- كيف نسمح بالاختلاف من دون أن يتحول الاختلاف إلى تشهير؟
- كيف ننتقد اللاعب والمدير الفني والإدارة من دون أن يتحول النقد إلى تصفية حسابات؟
- وكيف نستخدم المنصات الحديثة لنشر الثقافة الرياضية بدل استخدامها لتوسيع مساحة الخصومة؟
إن الإجابة لا تكمن في إطفاء الصوت وإنما في رفع قيمة الصوت، ولا تكمن في منع الرأي وإنما في تمييز الرأي عن الخبر، ولا تكمن في قتل الجدل وإنما في تحويل الجدل من صراع أشخاص إلى اختلاف أفكار. وهنا تقع مسؤولية المقدم قبل المحلل، ومسؤولية المؤسسة قبل الضيف. المقدم ليس طرفًا ثالثًا في المباراة؛ وظيفته أن يدير الحوار، وأن يوزع المساحات، وأن يطرح السؤال الذي يفتح الفكرة لا السؤال الذي يشعل الخلاف. والمحلل ليس قاضيًا يصدر الأحكام على الأشخاص وإنما قارئ للعبة، والمنصة ليست صندوقًا لصناعة التفاعل بأي ثمن وإنما مؤسسة تؤثر في وعي جمهور واسع، وكلما اتسعت مساحة التأثير اتسعت معها مساحة المسؤولية.
امتحان النصف النهائي.. الوعي في مواجهة التريند
في “خليجي 27” تبدو هذه المسؤولية أكثر حضورًا لأن البطولة لا تمثل مباريات متتالية فحسب، وإنما ذاكرة خليجية مشتركة وحدثًا تتقاطع فيه الرياضة مع الثقافة والجمهور والهوية والمنافسة. ومن هنا فإن الإعلام الذي يرافقها يجب أن يكون على مستوى هذه المساحة لا أن يختصرها في مشادة، ولا أن يختزلها في تصريح، ولا أن يحول لاعبًا إلى مادة للسخرية، ولا أن يجعل المدير الفني هدفًا يوميًا للغضب، ولا أن يتعامل مع الجمهور بوصفه كتلة انفعالية تحتاج إلى مزيد من الاشتعال.
الجمهور يحتاج إلى إعلام يحترم ذكاءه، يحتاج إلى من يشرح له ما لم يره لا إلى من يكرر له ما شاهده، يحتاج إلى من يفتح له أبواب الحدث لا إلى من يغلقها أمامه بجملة جاهزة.
وهنا يمكن أن نعرف من يقود المشهد الإعلامي فعلًا في “خليجي 27″؛ ليس من يملك أكبر شاشة، ولا من يملك أكثر ساعات البث، ولا من يحقق أكثر المقاطع تداولًا، ولا من يملأ الأستوديو بالضيوف. القائد الحقيقي للمشهد هو من يستطيع أن يحول كثافة الحدث إلى وضوح، وأن يحول وفرة المعلومات إلى معرفة، وأن يجعل الصورة تخدم الفكرة لا أن تخفي غيابها، وأن يجعل التكنولوجيا وسيلة لا غاية، وأن يمنح الجمهور تفسيرًا يستطيع أن يعود إليه بعد انتهاء المباراة.
وهنا تحديدًا تتحدد قيمة الإعلام: فالمباراة تنتهي، والتصريح ينتهي، والتريند يختفي؛ لكن المعرفة تبقى. ولهذا فإن ما تحتاجه تغطية نصف نهائي “خليجي 27” ليس مزيدًا من الصراخ وإنما مزيدًا من الإنصات، ليس مزيدًا من الخصومات وإنما مزيدًا من الأسئلة، ليس مزيدًا من العبارات اللامعة وإنما مزيدًا من الأفكار المحكمة، ليس مزيدًا من الكلام عن الأشخاص وإنما مزيدًا من الكلام عن اللعبة.
إن المرحلة المقبلة من البطولة ستكون امتحانًا آخر للإعلام العربي؛ امتحانًا في قدرته على أن يرتقي مع الحدث بدل أن يجر الحدث إلى مساحة الجدل، وأن يثبت أن الاحترافية ليست في امتلاك أحدث الكاميرات ولا في الوصول الأسرع إلى المنصة، وإنما في امتلاك القدرة على الفرز والتدقيق والتجريد من الزوائد، ثم إعادة بناء الحكاية بصورة أكثر صدقًا وأكثر عمقًا وأكثر احترامًا لعقل القارئ والمشاهد.
فالذين يملكون الصورة كثيرون، والذين يملكون الصوت أكثر، والذين يملكون المنصة أكثر وأكثر؛ لكن الذين يملكون الفكرة هم الذين يصنعون الفارق. وهذه هي المسافة التي ينبغي للإعلام الرياضي العربي أن يقطعها:
من صخب الشاشات إلى هدوء المعرفة، ومن سرعة النشر إلى دقة التثبت، ومن شخصنة النقد إلى نقد الفكرة، ومن الانفعال إلى التحليل، ومن صناعة التريند إلى صناعة الوعي، ومن تغطية البطولة إلى كتابة معناها.
فحين تصل “خليجي 27” إلى نصف النهائي ستكون الكرة في الملعب مرة أخرى، لكن كرة أخرى ستبقى خارج الملعب: كرة الإعلام. وهناك أيضًا ستظهر النتيجة؛ ليس على لوحة إلكترونية ولا في جدول ترتيب، بل في ذاكرة المشاهد: فإما أن يتذكر أنه شاهد ضجيجًا كثيرًا، وإما أن يتذكر أنه فهم كرة القدم أكثر… وهذه وحدها هي المباراة التي تستحق أن نخوضها.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة