رحلة التأهل المشوبة بالقلق والتعب
عمان – محمدالجالودي
40 عاما لم يكن مجرد رقما عاديا يتعلمه طلاب الأردن على مقاعد الدراسة، اليوم رسخ في الذاكرة والوجدان، واختاره النشامى ليكون حدثا سعيدا لعشاقهم ومحبيهم كلما دق جرس الذاكرة.
انتظر الأردنيون نحو “40 عاماً” لرؤية منتخبهم الوطني في نهائيات كأس العالم، لأول مرة في تاريخه، وهو الحلم الذي طالما كان ذات يوم صعب المنال، لكنه الآن اصبح امراً واقعياً وحقيقياً.
لقد سطروا رواية التأهل بعزيمة رجال عرفوا كيف يزرعون الفرح ويحققون الإنتصار بعد أن قدموا ملامح البطل في سنوات سابقة، وهاهم يكملون ما تم البدء به من خطط وأفكار لم تكن مجرد محطات عابرة، بل تكريس لعمل متراكم تم البناء عليه خطوة بخطوة.
مسيرة تعرضت لهزات عديدة لكنها لم تنهزم ولم تتوقف، وكان خلفها رجالا آمنوا وأيقنوا وبذلوا الغالي والرخيص.
فرسان النشامى من اللاعبين كانوا على موعد مع النصر للوفاء بما عاهدوا عليه، وهل هناك أفضل من حلم يتحقق بالوصول إلى المونديال..؟
لقد كان الفرح متعدد الجوانب، فكانوا أول فريق عربي يبلغ مونديال 2026 الذي تستضيفه أمريكا والمكسيك وكندا.
من شاهد ليس كمن سمع، كيف كانت الفرحة، وماهي اصداؤها بين الجماهير الذي عاشت حتى تحققت الفرحة.
مشوار الفرح
خاض النشامى معتركاً قوياً، قبل الإعلان عن تأهلهم رسميا الى المونديال رغم تفوقه على نظيره العُماني بثلاثية ضمن الجولة قبل الأخيرة من تصفيات الدور الحاسم، والتي كانت مرهونة بصافرة حكم مباراة العراق وكوريا الجنوبية والتي حسمها الأخير لصالحه بهدفين دون رد.
وكالعادة كان النشامى في الموعد هذه المرة، حيث شهدت شوارع وساحات الأردن ليلة فرح امتدت حتى ساعات الصباح الأولى من أول أيام عيد الاضحى المبارك، والتي امتزجت بتكبيرات المصلين في المساجد.
الفرحة كانت فرحتين، فرحة العيد وفرحة التأهل.
بداية الحلم
شارك المنتخب الأردني لأول مرة في الأدوار الأولى المؤهلة لكأس العالم (1986)، والتي استضافتها المكسيك، حيث لم يكن شكل التصفيات التمهيدية، بشكلها الحالي، ولا حتى بنظامها الاحترافي الموجود الآن، ولا بالضوابط المشددة التي احكم “الفيفا” قبضته عليها، حين شدد الخناق على الفرق المشاركة في اطار تنافسي محصور بتعليمات وإرشادات أفسدت المتعة،
لسنا بصدد الخوض في هذه التفاصيل المعقدة والمركبة، المهم في الأمر أن أول ظهور للأردن يوم (15) مارس 1985، حين شهد ستاد عمان الدولي الفوز الأول للأردن على حساب ضيفه القطري بهدف وحيد، جاء برأسية بارعة للنجم الدولي السابق عصام التلى والذي جاء في الدقيقة (86) من زمن المواجهة المثيرة آنذاك.
قصة هذا الفوز يتذكر تفاصيله أبناء الشعب الأردني الذين عاشوا تلك اللحظات حتى الآن، وخصوصا الذين حضروا المباراة من فوق المدرجات، حين زاد عدد الحضور الجماهيري عن (35 الف متفرج) من بينهم (5 الأف) تسلقوا الأسوار والأشجار المحيطة بالملعب لمتابعة هذا اللقاء التاريخي، وبثه التلفزيون الأردني عبر الهواء مباشرة، مع العلم أن سعة ستاد عمان حاليا انحصرت بـ (16 الف) شخص بعد وضع المقاعد البلاستيكية والتي تم تركيبها استجابة لتعليمات الاتحاد الدولي.
في (29) مارس من نفس السنة جمع ذات المكان المنتخبان الأردني والعراقي، في المواجهة الثانية من ذهاب التصفيات والتي جاءت أحداثها مثيرة، توجها (اسود الرافدين) بالفوز على النشامى (3-2)، بعد مباراة دراماتيكية كانت نتيجتها اقرب للتعادل لكن ضيوف الأردن يومها رفضوا التنازل عن طموحهم بالعودة الى بغداد بنقاط اللقاء كاملة، ومنها طار المرحوم احمد راضي ورفاقه حسين سعيد وعدنان درجال وليث حسين وجعفر حبيب ببطاقة التأهل الى مونديال المكسيك لأول مرة.
انتهى حلم الأردن بالتأهل بعد خسارته في رحلة الإياب من التصفيات بخسارته من العراق وقطر بالنتيجة ذاتها (2-0)، ليودع النشامى الأدوار الأولى بحصوله على نقطتين فقط في الظهور الأول له.
“العقدة العراقية” مرة ثانية
أوقعت قرعة تصفيات مونديال إيطاليا 1990 الأردن في مواجهة العراق ضمن الأدوار الأولى فخسر المباراة الأولى بعمان وبصعوبة بهدف وحيد، لكنه شباكه تلقفت رباعية احمد راضي في مباراة الإياب على ستاد الشعب الدولي في بغداد، ثم تغلب النشامى على عمان مرتين بالنتيجة ذاتها (2-0)، والتي تكن كافية لبلوغه نهائيات كأس العالم.
وعاد العراق للعب في مجموعة الأردن التي استضافتها مدينة اربد، بنظام التجمع ضمن جولة الذهاب لتصفيات مونديال أمريكا 1994، حيث تعادل النشامى واسود الرافدين (1-1)، وهي النتيجة ذاتها التي ألت اليها مباراته أمام اليمن.
تعرض المنتخب الأردني للخسارة في تلك التصفيات من الصين بثلاثية دون رد، بيد انه خرج بفوز وحيد على الباكستان (3-1).
لم يكن سيناريو جولة الإياب من التصفيات التي جرت في الصين كما كان يتوقعه الأردن، الذي خسر من أصحاب الأرض برباعية ومن العراق بذات النتيجة، ثم تعادل مع اليمن (1-1) وتغلب على الباكستان (5-1) فضاع حلم التأهل بنفس الأسلوب والطريقة.
سيناريو مكرر
في تصفيات مونديال فرنسا 1998، لم يتأهل الأردن بعد تعادله السلبي مع الإمارات في جولة الذهاب وخسارته بهدف أمام البحرين.
وفي جولة الإياب خسر من الإمارات بثنائية، ثم تغلب على البحرين برباعية، ولكنها لم تكن كافية ليكي يطير ببطاقة التأهل الى الدور الثاني المؤهل الى النهائيات آنذاك.
في تصفيات مونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، لم يتأهل الأردن بعد خسارته بثنائية أمام تركمنستان في جولة الذهاب وفوزه بالنتيجة ذاتها على الصين تايبه وتعادله مع أوزبكستان (2-2).
في الإياب خسر الأردن من تركمنستان (1-2)، ثم تعادل مجددا مع أوزبكستان (1-1)، وحقق الفوز على الصين التايبة (6-1).
ولم ينجح الأردن في بلوغ مونديال المانيا 2006، بعد فوزه على ايران وقطر (1-0) في جولة الذهاب والتي شهدت تغلبه على لاوس بخماسية.
وفي الإياب فاز على لاوس بشق الأنفس (3-2) لكنه خسر أمام ايران وقطر بهدفين دون رد.
لم تكون مشاركة الأردن في تصفيات مونديال جنوب أفريقيا 2010 بأفضل حالا من سابقتها، حين فاز النشامى في رحلة الذهاب على تركمنستان بثنائية، وخسارته أمامها بالنتيجة ذاتها في جولة الإياب.
وذات التصفيات خسر الأردن من كوريا الشمالية مرتين ذهاب بهدف وحيد وإيابا بثنائية دون رد.
في المقابل تغلب النشامى على تركمنستان مرتين بنفس النتيجة في مباراتي الذهاب والإياب (2-0).
وأمام كوريا الجنوبية انتهت مباراة الذهاب الى التعادل (2-2)، ثم خسر نتيجة لقاء الإياب بهدف وحيد.
فرصة تضيع
في تصفيات مونديال البرازيل 2014، أضاع الاتحاد الأردني على نفسه فرصة بلوغ كأس العالم لأول مرة بعد تأهله الى مباراة المحلق أمام الأورغواي التي جاءت الى عمان بكامل نجومها المحترفين في برشلونه وريال مدريد ومانشستر يونايتد والأندية الألمانية والإيطالية.
ما حدث من تداعيات قبل هذه المباراة، كان سببه الخطأ الإداري من الاتحاد الأردني الذي لم يحسن التعامل مع هذه الفرصة الذهبية عبر الاستغناء عن المدير الفني عدنان حمد، واستقدام حسام حسان المدرب المصري المثير للجدل والمعروف برعونته، الذي قام باستبعاد الحارس الدولي عامر شفيع لخلاف شخصي معه وكذلك كابتن الفريق عامر ذيب والذي يعد احد اهم اللاعبين المؤثرين بالمنتخب الذي خسر ذهابا بخماسية وتعادل إيابا بدون أهداف.
في تصفيات مونديال روسيا 2018، ودع الأردن الأدوار الأولى ولم ينجح في التأهل وهو نفس الأمر الذي حدث في الطريق الى نهائيات كأس العالم في قطر (2022).
طريق مختصر للمونديال
شكلت الإخفاقات السابقة حافزا للأردن في طرق أبواب مونديال 2026 بقوة، مستفيدا من الدعم الجماهير ومن تأهله الى المباراة النهائية لكأس آسيا التي خسرها أمام قطر بشكل مثير للجدل.
ورغم تعثر النشامى في مستهل مشواره بخسارة أمام كوريا الجنوبية في عمان 0-2 وتعادل مع الكويت 1-1، لكن فوزه على فلسطين (3-1) ذهاب وإيابا وعلى عمان في مسقط بثلاثية وفي عمان برباعية وتعادله بدون أهداف في البصرة أمام العراق وخسارته في ستاد عمان معه بهدف في ختام التصفيات جعله يستعيد الآمال من جديد، فكتب ذلك السطر الأول في بلوغ المونديال.
الجوهري كان حاضرا
طموحات الأردن بتحقيق إنجاز عالمي مثل الوصول الى نهائيات كأس العالم، لم يكن وليد صدفة أو ضربة حظ.. والدليل أن النشامى توجوا بأول لقب رسمي بفوزهم بذهبية الدورة العربية عام 1997 التي أقيمت في العاصمة اللبنانية بيروت بقيادة المدرب المرحوم محمد عوض.
كما وتمكن الأردن من الاحتفاظ باللقب بالفوز بذهبية الدورة العربية التي استضافتها عمان (1999)
بعد كلا الإنجازين، تغير الفكر التقليدي للأردن، حيث نجح في الوصول الى نهائيات كأس آسيا 2004 التي أقيمت في الصين لأول مرة في تاريخه بقيادة المدرب المحنك المرحوم محمود الجوهري.
كما شهدت النسخ النهائية من كأس آسيا، حضورا أردنيا مشرفا، وكان النشامى رقما صعباً في اغلبها وكان قريبا من المربع الذهبي، لعل ابرزها مشاركته في البطولة التي استضافتها الإمارات 2019 حيث تخطى أستراليا بهدف وتغلب على سوريا بثنائية وتعادل مع فلسطين بدون أهداف وتأهل لمواجهة فيتنام العنيدة التي فازت بفارق ركلات الترجيح في الدور الثاني.
اهتمام ملكي
تشهد مشاركات (النشامى) باهتمام خاص من العائلة الهاشمية، خصوصا الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الذي يتابع أحيانا لقاءات المنتخب بشكل شخصي، وسبق أن قام بتكريم الجهازين الفني والإداري واللاعبين.
كما يحرص الملك عبدالله على توفير كافة سبل الدعم، لإنجاح مشاركة المنتخب الوطني العديد من الاستحقاقات، وهو السبب الذي تعود اليه نتائج الأردن الإيجابية.
ومن الفوائد التي اكتسبها المنتخب، أن الاتحاد الأردني يترأسه حاليا الأمير علي بن الحسين هو الشقيق الأصغر للملك عبدالله وهو امر حفز اللاعبين للتأهل.
ويحظى المنتخب أيضا اهتمام نجل الملك عبدالله.. الأمير حسين (ولي العهد) الذي يشهد معظم التدريبات الجماعية للنشامى، وظهر في بعض المشاهد وهو يشارك مع اللاعبين في التمارين وهو جانب عكس تعزيز الروح المعنوية عن أعضاء الفريق.
التعمري ورفاقه المؤثرين
استفادت الكرة الأردنية من احتراف موسى التعمري في الدوري الفرنسي وهو الذي اكسب المنتخب ميزة فنية إضافية مع باقي اللاعبين الذين يمتازون بمهارات فردية استثنائية مثل يزن نعيمات المحترف بالدوري القطري ومهند أبو طه الذي لعب للعروبة السعودي ووجود علي علوان وكذلك يزن العرب الحاضر بقوة في كوريا الجنوبية الى جانب العديد من النجوم المؤثرين الذين كانت كلمة السر في تفوق النشامى بالعديد من المواجهات.
ويعد التعمري القائد المعنوي للنشامى، فهو لاعب يمتاز بأخلاقه العالية، وهو من حفظة القرآن الكريم الذي اعتاد على تعليم الأولاد أحكام التجويد والتلاوة في احد مساجد العاصمة عمان خلال تواجده في الأردن أو أثناء شهر رمضان المبارك، كما انه يرفض المشاركة مع فريقه بالدوري الفرنسي في مبادرات دعم المثليين حيث اشترط على ناديه برفض أي تواجد في مناسبات لا تتناسب مع القيم الإسلامية الحميدة.
اصبح التعمري نجماً أسطوريا في الأردن حاله حال ميسي ورونالدو، والأمر ينطبق على نعيمات وعلوان وبقية منظومة المنتخب.
وتتسابق محلات بيع الملابس الرياضية في الأردن على إنتاج “تيشيرت” المنتخب الأردني بإعداد كبيرة بعد أن زاد الطلب عليها على إثر التأهل التاريخي للمونديال.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة