فيينا – عبد الكريم البليخ
في مصر، كرة القدم ليست مجرد مباراة تُلعب على العشب، بل طقسٌ اجتماعي، وشعيرة يومية تُمارَس في المقاهي، وتُناقَش في مداخل البيوت، وتُنسَج حولها الحكايات. هي استدعاء للفرح ومقاومة للهزيمة، وفي حالة النادي الأهلي تحديداً، تتحول هذه اللعبة إلى ملحمة شعبية، تُكتَب على جدران الذاكرة أكثر مما تُدوَّن على لوحات النتائج.
يدخل خوسيه ريفيرو، المدرب الإسباني الجديد، هذا المشهد المتخم بالرموز والطبقات، لا كخبير تكتيكي فحسب، بل كمشارك في مشروع نفسي – اجتماعي بالغ التعقيد. الأهلي ليس نادياً رياضياً وحسب، بل كيانٌ متشظٍّ من الحنين والوجدان الجمعي، كائنٌ له ذاكرته الخاصة، نبضه، وأرقه. ومن هنا، فإن مهمة ريفيرو لا تبدأ من الملعب، بل من قراءة هذه الذاكرة، من استيعاب أن كل صافرة لا تُطلق فقط على العشب، بل تُسمَع في وجدان ملايين.
حين نتحدث عن ريفيرو، فإننا نستحضر خلفية كروية تنتمي إلى فلسفة التمركز، والتحرك الذكي، والتمرير المتقن، تلك التي وُلِدت في إسبانيا الستينيات ونضجت مع لويس أراجونيس، ثم بلغت ذروتها مع دل بوسكي وجوارديولا. لكن هل تصلح التيكي تاكا في ملعب القاهرة، في مدرجاتٍ تصرخ بالأغاني أكثر مما تهتف بالشعارات؟ هل يمكن أن تنبت زهرة برشلونة في أرض تعجّ بغبار التاريخ والانفعال اللحظي؟
الأهلي لا يُشبه شيئاً آخر. هو ليس مجرد فريق بل حالة وجدانية، مؤسَّسة نفسية وطنية. اللاعبين فيه لا يُقاسون بأقدامهم فقط، بل بقلوبهم، وبقدرتهم على تمثيل جمهور يرى في النادي مرآة لانتصاره الشخصي. وبالتالي، فإن نقل أسلوب كروي أوروبي إلى هذا السياق دون تكييفه مع المزاج العام، هو كمن يحاول زرع شجرة الزيتون في التربة الاستوائية.
محراب للبطولات
في الأهلي، المدرب يُمتحن بأكثر مما يُختبر. يُقاس على سلّمين: النتائج، والكيمياء. وقد علمتنا التجارب أن الأولى قد تُغفر إن كانت الثانية صادقة.
فايلر، المدرب السويسري الذي جاء دون ضجيج، زرع إعجاباً ليس فقط لأنه فاز، بل لأنه بدا منسجماً مع شخصية النادي. فايلر لم يكن إسبانيّ الهوى أو برازيليَّ الكاريزما، لكنه فهم أن في الأهلي شيئاً لا يُفسَّر، بل يُحسّ، وأن على المدرب أن يسمع صمت الجماهير قبل أن يصغي لصيحاتهم.
أما ريفيرو، فقد بدأ مشواره في قلب العاصفة. تَسلَّم الدفّة بعد كولر، في لحظة حساسة، حيث الإخفاقات القارية تُثقِل النفس، والآمال المحلية معلّقة على شعرة. دخوله إلى النادي في ظل هذه الظروف يُشبه دخول غريب إلى بيتٍ قديم، يعرف أن كل زاوية فيه تخبّئ قصة، وأن كل قطعة أثاث تحمل آثار من سبقوه.
القاهرة ليست مدينة عادية. إنها لا تكتفي بأن تكون خلفية للدراما، بل تتحول أحياناً إلى شخصية رئيسية في كل حكاية تُروى. وملعب القاهرة، الذي سيشهد على مغامرات ريفيرو، ليس مكاناً فقط، بل مسرحاً للذاكرة، مقبرة للأوهام، ومحراباً للبطولات. مدرجاته ليست مقاعد بل مقامات. كل صفٍّ فيها يشهد على دمعة، على صرخة، على حُلم.
لهذا، فإن فلسفة ريفيرو الهجومية يجب أن تُترجم بلغة محلية. كرة القدم هنا ليست علماً خالصاً، بل فنٌ شعبي، مسرحٌ مفتوح تتداخل فيه الرغبة بالجمال مع الحاجة للفوز، واللعب الجميل لا يُغني عن الهدف، لكنه إن تحقق، غفر كل شيء.
البداية عالمية
تجربة ريفيرو في أورلاندو بايرتس الجنوب إفريقي تمنحه خبرة التعامل مع فرق تُراهن على السرعة، وعلى الهجوم كأداة دفاعية. فاز كثيراً خارج الأرض، وسجّل فريقه أهدافاً بمعدل مبشّر، لكنه أيضاً كشف عن هشاشة دفاعية قد تكون مميتة في قارة تتغذى على المرتدات. الآن، في الأهلي، عليه أن يُعيد ضبط بوصلته.
لاعبي الأهلي، رغم امتلاكهم المهارة، يحتاجون إلى عقلية تكتيكية تُبنى لا تُفترض. الفريق يعاني أحياناً من انفصام بين قدراته وبين استثمارها الكامل. وبالتالي، فإن التحدي الأكبر لريفيرو ليس تكتيكياً فقط، بل نفسياً وسلوكياً: كيف يُعيد الانضباط لفرقة تتوق للإبداع، دون أن يكبت حريتها؟
أول اختبار لريفيرو لن يكون محلياً بل عالمياً، حين يدخل كأس العالم للأندية لمواجهة أندية كبرى كإنتر ميامي وبالميراس وبورتو. تحدٍّ ثقيل، لكنه أيضاً فرصة نادرة لقياس مدى اندماج أفكاره مع طبيعة الفريق.
ستكون هذه البطولة مرآة للمدرب وللفريق وللإدارة معاً. ففيها تتعرى الأفكار، وتُختبر الفلسفات أمام فرق تمتلك استقراراً وطول نفس. وهنا تظهر أهمية أن يكون ريفيرو أكثر من مجرد ناقل لأسلوب، بل خالق لرؤية جديدة.
شيفرة الأهلي
النادي الأهلي، كما عرفه كثيرون، ليس كياناً مؤسسياً فقط، بل كائن حيّ له ذاكرته ومزاجه وهويته. من يتولى تدريبه يجب أن يفهم هذه الطبقات المتعددة. يجب أن يعي أن كل هدف يُسجل يُعيد رسم خريطة الفرح في بيوت كثيرة، وأن كل تعثّر يترك شرخاً في نفوس مشجعيه.
كرة القدم هنا ليست تسلية، بل وسيلة لإثبات الذات، لمقاومة الإحباطات اليومية، لتأكيد أن النصر ممكن، ولو في مباراة. ومن هنا تأتي أهمية أن يملك المدرب شخصية تتناغم مع هذا الإيقاع، شخصية حازمة وملهمة، لا تكتفي بالخطة بل تبث الروح في اللاعبين.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن المدربين الذين نجحوا مع الأهلي لم يكونوا دائماً أصحاب الأسماء اللامعة، بل كانوا أولئك الذين فهموا النادي من الداخل. الذين نظروا إلى اللاعبين كأفراد يحملون قصصاً، لا مجرد أدوات تكتيكية. الذين لمسوا روح المدينة في زحامها، وقرأوا وجوه الجماهير في انتظاراتها.
ريفيرو أمامه فرصة ليصنع تجربة فريدة، لكنه بحاجة إلى التواضع الذكي الذي يعرفُ كيف يراقب قبل أن يقرر، كيف يسمع قبل أن يأمر. فمدرب الأهلي الناجح هو ذلك الذي يعرف أن الجماهير قد لا تحفظ أسماء كل المدربين، لكنها لا تنسى من جعلهم يحلمون مجدداً.
صعوبة الجواب..!
السؤال الحقيقي ليس “هل سينجح ريفيرو؟”، بل: “هل ستنجح الفكرة؟”. هل يستطيع أن يصوغ فلسفة هجومية متناغمة مع مزاج الجمهور، من دون أن يُضحّي بالصلابة؟ هل يمكنه أن يصنع كرة تُفرح القلوب وتُرضي العقول؟
إن النجاح في الأهلي لا يُقاس بعدد الألقاب فقط، بل بمدى قدرة المدرب على صناعة الحلم. الجماهير لا تحفظ أسماء كل من مرّوا، لكنها لا تنسى من جعلها تصدّق من جديد. من حوّل الحلم إلى احتمال، والانتصار إلى عادة.
ها هو ريفيرو على خط التماس، يُمسك بالكرة كما يُمسك شاعرٌ بكلمةٍ ضاعت منه في الزحام. الأيام القادمة ليست امتحاناً له وحده، بل لنا جميعاً. هل يمكن للتكتيك أن يصير شعراً وهل يمكن لفلسفة بعيدة أن تجد بيتاً جديداً في قلوب تعلّقت بالفانلة الحمراء؟
حين تدور الكرة، ويتكلم العشب، سنعرفُ. حتى ذلك الحين، يبقى ريفيرو ممسكاً بخيطٍ رفيع، يصل ما بين التيكي تاكا، ما يقصد به بالتمريرات القصيرة والسريعة، فضلاً عن الاستحواذ الطويل على الكرة للسيطرة على اللعب، والتحرك الدائم بدونها،. وما يرافق ذلك من أغاني الجماهير في مدرجات القاهرة.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة