بسام جميدة
تؤلمك كرة القدم التي تشعر في أحيان كثيرة أنها سلوة للروح المتعبة من هجير الحياة وتناقضاتها، تتغاضى حينا عما يدور في فلكها من قصص ليست غريبة في هذا العالم المتخم بالجنون، ولكنك تستسلم لما فيها من متعة، ومن مشاعر دافقة ومتنوعة تنطلق من المدرجات ومن وجوه كثير من اللاعبين، وتقول في سرك، مالي ومال ما يجري في كواليسها، هي ساعتان وتنقضي، ألملم فيها بقاياي وأصرخ مع الصارخين لكل لمحة دهشة تلمع في هذه الجهة أو تلك، ولكن ينتابك قهر يفتح كل مافيك من ندوب لم تلتئم بعد عندما يستفزك فريقك أو نجمك المفضل، أو عندما تقرأ في تفاصيل الدقائق التسعين، حجم الأخطاء المفتعلة، وأرقام الأموال المودوعة في مكاتب المراهنات وهي تضيء شاشة الكمبيوتر لتدرك أنك تعيش فرحة مليئة بالأوهام.
عادة لا اتحدت عن خفايا كرة القدم، كي لا أبرر فوز هذا أو خسارة ذاك، وقد كتبت منذ تسعينيات القرن الماضي عن فساد كرة القدم وما يحيط بها، وعن المافيا التي طوقتها من كل حدب وصوب، ولكن أكثر الذين شرعنوا الفساد فيها هي مكاتب المراهنات التي تعمل ضمن القوانين الموجودة في بلاد الغرب وبشكل قانوني، بل وتدر الكثير من الضرائب على الحكومات، والأدهى والأمر ان للأندية نصيب من هذه الملايين، وهذه المكاتب لها أذرع ظاهرة وخفية في كل مكان، وتعمل تحت أنظار الدول، ولكن الفيفا وحدها هي التي لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم.
نريدها خالية من كل الشوائب، طاهرة مطهرة، تطفئ لظى القلب كلما استعرت به براكين القهر، ولكن هيهات أن يتركونها هكذا، فسحة للفرح، وقد استغلها الضالون والمنتفعون، وسيسوها لميولهم قادة الدول وأصحاب المصالح، وكل ما نراه فيها من بهرجة ومتعة وتشويق وإثارة تبح لها حناجر الملايين الذين يقتطعون لأجلها من قوتهم وقوت أبنائهم كي يتابعونها، هي مجرد أثواب مزركشة تخفي تحتها سواد ما يفعلون فيها.
اتحدث عن كرة القدم، ولا أريد أن أفسد على أحد ما يخزنه من صورة جميلة في مخيلته، ولكنه الواقع الذي يخفونه عنا، فما يتم صرفه على اللعبة من ملايين ليس لأجل عيوننا فقط، بل لأجل مصالح كبيرة وكثيرة.
لعلكم تتساءلون، لماذا تكتب هكذا وأنت الذي شغفتك بحبها، وكتبت “شغفتهم عشقا”، ولماذا تحاول أن تصادر منا بارقة الفرح التي نتسمر حولها كلما هزنا الوجد..؟
فأقول: لازلت عاشقا لها وأغازلها، وأكتب عنها كل قصائد العشق، ولازلت مؤمنا بدورها وفاعليتها، وما تمنحه لنا من دهشة ومتعة، وسأبقى وفيا لها، وأنتصر لنجومها وللمواهب فيها، مهما حاولوا أن يكدروا علينا نهر الجمال الذي ينسكب في أرواحنا، وسيبقى يروي مساكب العشب الذي تخضر منه قلوبنا.
مساحة للقلب
نستجمع ماتبقى من عزيمة، نحاول أن نهزم ما فينا من قنوط، ومرارة وخيبات، نرسم على جدران الحياة قلوب بكل ألوان الطيف، قلوب غير تلك التي يرسمها العشاق، ويمر من وسطها سهم يدمي القلب، نتمسك بها، ونريد لهذا “الصغير” أن لا يتآكل بالقهر، بل تنبت على شغافه أزاهير الأمل؛ ونردد: لازال هناك متسع للفرح.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة