حديث الروح – شيبتني الصحافة

 

 بسام جميدة

لو سألت أي شخص يعمل في مجال الإعلام بشكل عام، والصحافة بشكل خاص عن عشقه، لبادرك بالقول دون تردد: عملي.

هذا العشق الذي لا ينتهي مهما تقدم العمر في الإنسان الذي يزاول الصحافة ما سره..؟

ومن أين ينبع شلال الشغف بداخله..؟

ورغم كل ما يحيط به من تعب وسهر ومتابعة دؤوبة بحثا عن مادة يكتبها وتقرير يصوره، واستطلاع يجريه، وعنوان مثير يحرك به لواعج القراء..تراه يواصل غزله المهني بكل ما يملكه من مهنية عالية..

لم تكن ذات يوم مهنة المتاعب كما يطلقون عليها، بل مهنة الساعين فيها نحو حب الحياة، وترسيخ المفاهيم الجميلة فيها كي لا تسود البشاعة.

أنها صاحبة الجلالة، بكل مكوناتها السحرية الجاذبة والجميلة، تغرقك في نضارتها وسحرها وجمالها، رغم كل العذابات التي تمارسه عليك، لكن عذاب العاشقين جميل.

أنها “الضرة” التي تدخلها بيتك طواعية وتنافس بقوة لكي تحتل صدارة اهتمامك، وما عليك سوى أن تجد السبيل الأنسب كي تعقد الصلح بينها وبين “أم العيال” كي تستمر الحياة..

أكتب هذا الكلام وأنا ألج نحو عامي ال44 في هذه المهنة التي “شيبتي”، وكما يقول ناظم الغزال:

عيرتني بالشيب ليلى وهو وقار. …ليتها عيرت بما هو عار

إن تكن شابت الذوائب مني  ….فالليالي تزينها الأقمار

رحلة كانت حافلة بكل ما يمكن أن يقال فيها من إثارة وتعب وتشويق وشغف لايزال يتملكني رغم كل ما مررت به؛ رحلة تنقلت فيها من منبر إلى آخر، وكتبت في كثير من مناحي الصحافة وفي مجالات كثيرة، ولا أجافي الحقيقية أن قلت في غالبيتها كتبت؛ ولكن كما يقول الشاعر أبو تمام:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى …   ما الحب إلا للحبيب الأولِ

كم منزل في الأرض يألفه الفتى  ….     وحنينه أبداً لأول منزلِ

فقد بدأت من خلال الصحافة الرياضية، وها أنا لا أزال في ملاعبها أزهو وكأنني أكتب اليوم أول مقالاتي.

المنعطف الأهم في حياتي كانت صحيفة “الرياضة” التي تدخل اليوم عامها ال 64 وهي من أقدم الصحف السورية التي لازالت مستمرة بينما توقف الجميع، وقد أسسها المرحوم المربي والرياضي عرفان الأوبري حينذاك، وله الفضل الكبير في تأسيس الرياضة السورية، والمشاركة أيضا في تأسيس الرياضة السعودية إلى جانب خبراء كثر.

هذه الصحيفة أضفنا لها عنوان “الحياة” قدمت الكثيرين ممن عملوا في الصحافة السورية، وأنا منهم، وكانت بوابة للعبور الى العالم الأوسع في الإعلام الرياضي، وأنني أذ أذكر فقد تسعفني الذاكرة ببعض منهم وعلى سبيل المثال لا الحصر المرحوم عدنان بوظو ومحمد وليد مجتهد وعدنان الناشف وأيمن جادة وشمس الدين العجلاني ومحمد الدعفيس في مجال الإشراف عليها، أما من العاملين فيها فقد كانوا بالعشرات الذين منحتهم فرصة الكتابة والتألق.

صحيفة الرياضة والحياة التي كانت تصدر في الفضاء السوري تحديدا طوال كل تلك السنوات، أوقفتها آلة الحرب ما يقارب الثمان سنوات، لكنها عادت من جديد سورية الجذور عربية الهوى، حلقت عالياً من خلال الزملاء العرب الذين أبدوا تعاونا طوعيا لتقديم إعلام رزين، وباتت تساير التطور العالمي كصحيفة الكترونية عبر مواقعها في الشابكة والسوشيال ميديا، ولها صدى نأمل أن يصل إلى أبعد وأوسع مكان في العالم.

لا يمكنني هنا سوى أن أشيد بمن كانوا معي ورافقوني في هذه الصحيفة عبر 25 عاما منذ أن تسلمت الراية من الزميل محمد تركي الدعفيس، وقد كانوا زملاء مخلصين للمهنة وللصحيفة، وتفرقت بهم وبنا السبل في الدول والوسائل التي يعملون فيها، وأثبتوا جدارة وتفوق، ولازالت هذا الوسيلة ملعبا رحباً للجميع.

 

قدمنا خلال سنوات عملنا في هذه الصحيفة وبإمكانيتنا التي لا تذكر أمام أي صحيفة أخرى مالم يقدمه غيرنا، من مواضيع شائكة ومشوقة، وغيرنا كثير من الأساليب الروتينية حينذاك، وها نحن خلال عام واحد بعد الصدور الكترونيا نفتح الكثير من الملفات، على الصعيد العربي هذه المرة وناقشنا المواضيع الهامة، وقدمنا للقراء كتابين رياضيين مترجمين خصيصا للصحيفة عبر الزميل ملكون ملكون، وحتى لا أبخس حق أحد من الزملاء فلابد من الإشادة بجهود كل الموجودين معنا لهمتهم العالية، والدور الأبرز هنا للمخرج الفنان الذي يصنع من كلماتنا لوحات آخاذة، انه الزميل عمار الشيخ علي، ومعه أختم قصيدة النثر هذه.

 

 

 

 

عن admin1

شاهد أيضاً

وجوه وحكايات —– بدر الدين الإدريسي… حارس الذاكرة الرياضية وصوت المهنة

  بقلم: الإعلامي والسيناريست “أحمد بوعروة” كيف يستطيع رجلٌ أن يظل وفيًّا للمهنة، في زمنٍ …