الكاتب سعيد أحمد
تجاذبنا أوساط الحديث، صديقي الأديب عبدالواحد الأنصاري وأنا، وتركنا أطرافه لملتهمي الأطراف؛.. الأنصاري الفذ في إنتقاءاته القرائية، والذي تسبق درايته الفنية تسارع ساقيه النحيلتين- حينها- بتسعة أمتار ونصف، ما يكفي لتجاوز آخر مدافع شرس لفريق الخصم. كان الأنصاري حينها عاكفا على كتابة روايته (كيف تصنع يدا). لم يخل حديثنا من إسترجاع تاريخ صناعة الآلهة منذ الأغريق، وصولا إلى أصنام التمر التي يصنعها عابد كي يقدم لها قرابين نسكه في العصر الجاهلي- كما درجت التسمية، وبلحظات الجوع يلتهم الفقير الجائع إله التمر الذي صنعه بيده… أتذكر أننا تسائلنا حينها: من أين تبدأ في أكل إلهك الذي صاغته يدك؟ هل تبدأ برأسه أم قدمه، فعند إلتهام الرأس ستسقط فخامة ألوهيته، وعندما تبدأ بالقدم فسيسقط خضوعك هيبة الجوع! إلى حد كبير، أرى كثير من كتاب ومثقفي العرب مشغول بإلتهام أقدام لاعبي كرة القدم.
من الذي يصنع الأيدي والأقدام على كل حال!! فصناعة مهارة يد الكتابة لدى الشاعر أو المثقف، أو قدم محترف كرة القدم يحركهما مركز الفنون بوسط الدماغ، ذلك الفص الفني الصغير، والمتجاوز، القادر على صناعة يدا أو قدما.
يعتقد الشاعر أنه محور كون الفن، وأن أي فن آخر ليس أكثر من عبث يستلذ به صبية الشوارع الخلفية في الحي الشعبي، ولا يخلو الروائي من نرجسية مماثلة تبيح له نبذ جميع الفنون، لينز الناقد الأدبي لنسف تلك النرجسيات بنرجسية فائقة التهكم والإستهتار. ويضع سيناريو الحلقة الأخيرة، في ذلك كله، مريدي النقد الثقافي المتعالي على كل المشاهد الفنية، بل والأنسجة الإجتماعية بألوانها المتعددة… ثم تسألني يا صديقي الجميل بسام عن سبب إحجام الأدباء عن كتابة نصوص عن حيوات لاعبي كرة القدم!
لبندأ أولا بالثقافة الكروية، ونسأل السؤال الأهم: هل يعي الشاعر أو الروائي والقاص، أو حتى الناقد الأدبي والثقافي أن كرة القدم ليست مجرد إستدارة جلدية يركض خلفها 44 ساقا هامشيا للإنتصار لمفاصل أقدامهم!
بإفتتاحية روايتي (رباط صليبي) ذكرت مقولة الفيلسوف”جان بول سارتر”: (كرة القدم هي اللعبة التي تختصر الحياة بكل تعقيداتها و قوانينها)
وأتبعتها بإهداء الرواية إلى فيلسوف العشب هاشم سرور، كابتن نادي النصر ومهندس منتصف ملعب المنتخب السعودي في الثمانينيات؛ بقولي في الإهداء: (إلى رجل لم يعد يذكره الكثيرون، ولم يعد يذكرني، إلى الكابتن هاشم سرور الذي علمنا كيف يمكن أن تكون مفكرا وفيلسوفا داخل ملعب كرة قدم) !
ثم تسألني، يا صديقي بسام- على ألسنتهم طبعا- عن مدى صلاحية نجوم كرة القدم لتسنم لائحة القدوة!
هاشم سرور كان قدوة وتحريضا فكريا وفنيا لي على عشب الملعب، وتحريض ذهني وفني لي وغيري على صدر الورق. وهل لذاكرتنا أن تنسى غيره: ماجد عبدالله، قدوة المحيط العربي وقارة آسيا برمتها، أم بيليه أنموذج اللاتينيين، والعالم بعد أوجاع أوساط أوروبا، أم تمرد يوسف الثنيان بحي البديعة مع أنغام سعد جمعة، أم تانغو همجية سواحل “اللاتينو”، أو فلسفة الدكتور سقراط بمطلع ثمانينيات كرة الأرض الحديثة، تجاوبا مع “تيكي تاكا” ريو دي جانيرو!
————————————
روائي سعودي *
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة