كندا – عبد النافع السباعي
أسدل الستار بالأمس على واحدة من أكثر محطات التصفيات إثارةً في الطريق إلى مونديال أمريكا وكندا والمكسيك، بعدما نجحت ست منتخبات في انتزاع بطاقات التأهل عبر الملحق، في مباريات حملت توتراً كبيراً وتحولاً تكتيكياً عالياً حسمتها التفاصيل الدقيقة أكثر مما حسمتها الفوارق الفنية.
وكما أصبح واضحاً فإن منتخبات السويد، تركيا، البوسنة والهرسك، التشيك، الكونغو الديمقراطية والعراق لم تصل إلى هذه المرحلة بسهولة؛ بل عبر مسارات معقدة كشفت أن الملحق القارّي لم يعد مجرد فرصة ثانية لهذه المنتخبات، بل اختباراً نفسياً وفنياً لا ينجح فيه إلا الأكثر جاهزية للحظات الحاسمة.
كيف وصلت المنتخبات إلى هذا الدور؟
في أوروبا، تأهلت المنتخبات الأربعة عبر مسارين مختلفين: بعضُها جاء من احتلال المركز الثاني في مجموعات التصفيات، وبعضها استفاد من مسار دوري الأمم الأوروبية.
فمنتخب السويد وصل رغم حملة تصفيات متعثرة، لكنه حصل على فرصة الملحق بفضل نتائجه في دوري الأمم الأوروبية، ثم تجاوز أوكرانيا في نصف النهائي بثلاثية متميزة.
وتركيا بلغت النهائي بعد فوز صعب على رومانيا، استفاد خلالها الأتراك من التنظيم الدفاعي الملتزم.
بينما شق البوسنة والهرسك طريقهم بعد عبور ويلز بركلات الترجيح، قبل أن يصطدموا بإيطاليا في النهائي.
ومنتخب التشيك تأهل بعد مواجهة معقدة أمام أيرلندا حُسمت أيضاً بركلات الترجيح.
أما في الجانب الآخر من التصفيات فقد تأهل منتخب الكونغو الذي مثّل إفريقيا في الملحق العالمي بعد مسار قاري طويل، ثم واجه جامايكا في المباراة الفاصلة الأخيرة.
وكذلك فعل العراق عن آسيا بالتأهل بعد مباراة نارية تفوق فيها على الإمارات في الملحق الآسيوي.
يوم الحسم
العراق × بوليفيا:
انتظار40 عاماً
انتظر العراقيون أربعين عاماً قبل أن يفرحوا بعودة منتخبهم بالتأهل للمرة الثانية في تاريخهم الى المونديال. العراق دخل اللقاء بقوة ووضحت رغبته بتحقيق الفوز منذ الدقائق الأولى. ورغم أن المباراة كانت تحتاج مجهوداً بدنياً قوياً فرضته قوة حضور منتخب بوليفيا وجرأة لاعبيه، إلا أن اندفاع بوليفيا البدني تسبب بركلة حرة من مسافة متوسطة نفذها العماري بطريقة رائعة وتألق حارس بوليفيا بصدها لتخرج لركلة زاوية. وبتنفيذ متقن للركنية يتمكن علي الحمادي من وضعهاً في الشباك معلناً تفوق أسود الرافدين. ليتراجع بعدها للخلف ويسمح لبوليفيا بالاستحواذ بشكل كبير تمكن عبره البوليفيين من تعديل النتيجة قبل النهاية بسبع دقائق عبر بانياغوا من تسديدة متقنة.
الشوط الثاني، كما الأول بدأه العراق بقوة وإصرار وتمكن أيمن حسين بعد أقل من عشر دقائق من وضع العراق في المقدمة من جديد بهدف جميل. بعدها تراجع أبناء الرافدين للخلف للدفاع عن تقدمهم أمام ضغط بوليفي صعب ورغم تراجع المجهود البدني للعراقيين مع تقدم عمر المباراة لكن الدفاع ومن خلفه الحارس كانوا متألقين بصد هجمات بوليفيا الذي ضغط حتى النهاية دون أن يتمكن من النتيجة، فأعلن الحكم اللحظة التاريخية بتأهل المنتخب العربي الثامن للمونديال بإنجاز عربي غير مسبوق انتظرته الجماهير طويلاً.
البوسنة × إيطاليا:
انتصار الشجاعة والجرأة الذهنية
فعلها البوسنيون وقدموا للعالم درساً جديداً في أن الكرة تنتصر لمن يقدم لها ويقاتل في سبيل مجدها. على عكس الطليان الذين لم يتعلموا من دروسهم السابقة في النسختين الأخيرتين من المونديال فيما يبدو كاعتياد على الغياب عن البطولة الأسمى، وأفول اسم كروي كبير لطخته الأجيال الأخيرة بالعار والهوان.
انتصار البوسنة والهرسك كان في جوهره انتصاراً نفسياً قبل أن يكون تكتيكياً، فالمنتخب الايطالي بدأ المباراة بأفضلية تنظيمية واضحة، مع تدوير أسرع للكرة وخروج بسلاسة من الخلف، لكن بعد الطرد، تغيرت المعادلة بالكامل.
في الناحية المقابلة، فالبوسنة لم يندفع مباشرةً، بل انتظر غريمه حتى بدأ يفقد القدرة على ضبط المسافات وانقض عليه فارضاً سيطرته خصوصاً في النصف الأخير من الشوط الثاني.
المدرب البوسني قرأ المباراة جيداً عندما رفع عدد اللاعبين بين الخطوط بدل زيادة عدد المهاجمين، فصارت إيطاليا مضطرة للدفاع بشكل متقدم مما أرهقها نتيجة النقص العددي. كل ذلك أدى الى التعادل الذي يبدو أن إيطاليا سعت له للوصول الى ركلات الترجيح، لكن المفاجأة أن البوسنة تابعوا تفوقهم الذهني والفنّي بينما ظهر التوتر والتسرع جليّاً على ركلات الطليان الترجيحية فلم يخسروا المباراة فحسب بل فرصة التأهل واسماً بين الكبار بنته أجيال إيطاليا بفخر ودمره جيلها الأخير الذي لم يتذوق طعم المجد منذ آخر مشاركة لهم في عام 2014.
السويد × بولندا:
انتصار الصبر الهجومي
حقق السويد فوزاً كبيراً على بولنده بنتيجة 3-2 ولم يكن هذا الفوز نتيجة تفوق هجومي فحسب، بل كان انتصاراً لفكرة واضحة طبقها السويديون، ففي كل مرة كانت تقترب فيها المباراة من الاستقرار تمكنوا من إثارة الفوضى الخلاقة ولعبوا على كسر الرتم البولندي في لحظات اللقاء المختلفة.
منذ البداية، اختار منتخب السويد اللعب بضغط متوسط بدل الضغط العالي، ما سمح له بتوفير طاقته للثلث الأخير من اللقاء. لكن المشكلة السويدية ظهرت في الخط الخلفي، حيث تراجع دفاعها متأخراً أمام تحركات المهاجمين البولنديين خصوصا على الأطراف، وهو ما سمح لبولندا بالعودة مرتين.
التحول الحاسم جاء في آخر ربع ساعة عندما غيّرت السويد تمركز لاعبي وسطها، فصار التقدم من العمق الخيار البديل عن الأطراف، وهنا بدا الإرهاق على رفاق ليفاندوفسكي. فجاء هدف جيوكيريس المتأخر نتيجة الضغط على الكرة الثانية داخل المنطقة. السويد كانت الطرف الأخطر هجومياً كلما اقتربت المباراة من نهايتها، بينما فقدت بولندا القدرة على إغلاق العمق، وتلقت خسارة مؤلمة سيتذكرها العشاق طويلاً.
تركيا × كوسوفو:
انضباط تكتيكي
رغم فوز تركيا على كوسوفو بهدف نظيف، لم تكن تركيا الأفضل هجومياً طوال مجريات اللقاء، لكنها كانت أكثر قدرة على إدارة المباراة.
الأتراك لعبوا بخطوط متقاربة جداً ما قتل المساحات التي يحب منتخب كوسوفو استغلالها بين الخطوط. كما أن الهدف الذي سجله اكتراوغلو جاء بعد استعادة سريعة ومنظمة للكرة، وليس من هجمة مفتوحة.
تركيا لم تتراجع بعد الهدف، بل نقلت المباراة إلى نمط أكثر بطئاً وأكثرت من التمريرات القصيرة مما أجبر كوسوفو على البناء من الخلف تحت ضغط بدني ونفسي كبير. في النهاية فإن انضباط أبناء الأناضول وحُسن قراءة المباراة من قبل مدربه مونتيلا هو ما ساهم بالوصول بهم الى النهائيات بعد غياب ٢٤ عاماً.
التشيك × الدنمارك:
اللعب على التفاصيل
فوز التشيك على الدنمارك بركلات الترجيح كشف واحدة من أكثر المباريات تعقيداً تكتيكياً.
التشيك بدأت بهدف مبكر، مما أجبر الدنمارك على تعديل تحركات وسطها بشكل ملفت. هذا ما دفع الدنماركيين لتحقيق استحواذ أكبر للكرة مع اختراق أقل للعمق فكانوا الأخطر لأن كل انتقال هجومي لديهم كان مباشراً نحو منطقة الجزاء. حتى في الوقت الإضافي، عندما تقدموا مجدداً، بقوا يلعبون بنفس الفكرة، أقل عدد ممكن من التمريرات قبل إنهاء الهجمات. وعندما وصلت المباراة إلى الترجيح، كان الفارق الذهني واضحا لديهم.
الكونغو الديمقراطية × جامايكا:
قوة بدنية وحسم متأخر
منذ الدقيقة الأولى ظهر أن الكونغو تراهن على إنهاك خصمها تدريجياً ولم تهاجم بكثافة مستمرة، بل لعبت على استعادة الكرة الثانية. هذا الأسلوب استنزف جامايكا بدنياً حتى الوقت الإضافي.
في النصف ساعة الأخيرة، أصبحت جامايكا تفقد سرعة العودة الدفاعية، وهنا جاءت أفضلية الكونغو. وبينما قاتلت جامايكا بقوة إلا أن الهدف المتأخر كان نتيجة منطقية لتراكم الضغط البدني ليتمكن الكونغو من حسم اللقاء والتأهل للبطولة الكبيرة.
نهاية مثيرة تليق بتصفيات بطولة كأس العالم وتؤكد أن مباريات الملحق المونديالي لا تعترف بالأسماء الكبيرة، بل بمن يملك القدرة على إدارة المباريات بحكمة والسيطرة على التوتر تحت أعلى درجات الضغط. ست منتخبات نجحت لأنها كانت الأكثر رغبة وقتالاً وحضوراً ذهنياً، وكانوا الأكثر إصراراً على صناعة المجد حين استسلم الخصوم.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة