عربية الجذور..عالمية الوجه.. قطرية الروح كأس العرب.. تحت راية الفيفا وخارج روزنامتها

 

الاتحاد العربي من زمن المبادرة إلى زمن المشاهدة

 

 

إستنبول – حازم الكاديكي

 

من لبنان بدأت الحكاية حين اجتمع شغف الحلم العربيّ بالرياضة مع روح الهوية عام ثلاثةٍ وستين وتسعمائةٍ وألف هناك حيث وقف ناصيف مجدلاني وعزّت الترك يزرعان البذرة الأولى لما سيُعرف لاحقًا بكأس العرب البطولة التي أرادت أن تجمع العرب في ميدانٍ واحدٍ كما تجمع القصيدةُ بين لغاتهم ولهجاتهم فكان اللقاء الأول بين لبنان وسوريا وتونس والكويت والأردن وسُجّل الهدف العربي الأول بقدم اللبناني عدنان الشرقي فيما دوّن التونسي شريف التلمساني اسمه هدافًا بخمسة أهداف لتكون تونس أول من رفع الكأس فاتحةً مساراً طويلاً من التنافس والغياب والعودة.

رعاية دولية

وبعد عقود من التقلّب وجدت كأس العرب من يحتضنها من جديد فكانت قطر هي اليد التي امتدت للبطولة لتعيدها إلى الحياة حين استضافت نسخة عام 2021 تحت مظلة الفيفا للمرة الأولى لتتحول البطولة من مشروعٍ عربيٍّ محدودٍ إلى حدثٍ دوليٍّ تنظمه مؤسسة عالمية وفق معايير دقيقة يومها كانت الدوحة تختبر نفسها قبيل تنظيمها لكأس العالم فحوّلت البطولة إلى عرضٍ متكاملٍ في التنظيم والإدارة والبنية التحتية لتثبت أنها قادرةٌ على جعل الرياضة فعلاً من أفعال الإتقان لا الارتجال.

ومنذ تلك اللحظة تغيّر وجه البطولة فالفيفا التي كانت طوال عقودٍ بعيدةً عن تفاصيلها أصبحت المتعهد والمنظم الإداريّ تمامًا كما يتعهد أحدهم حفلاً فنيًّا لا بوصفه مالكاً للحدث بل كمنسّقٍ له يدير وقته وجدوله وإطاره القانوني مقابل عائدٍ اقتصاديٍ واضح فالفيفا لم تأتِ إلى كأس العرب بدافعٍ رياضيٍّ محض بل بدافعٍ تجاريٍّ وإداريٍّ منسجمٍ مع سياستها الحديثة في توسيع رقعة المنافسات ذات العوائد العالية وقد وضعت لذلك لوائح واضحة تنصّ على أن البطولة لا تدخل ضمن الروزنامة الدولية الرسمية وأنها لا تُلزم الأندية الأوروبية بالسماح للاعبيها بالمشاركة فيها ما يعني أن حضورها تنظيميٌّ واقتصاديٌّ في آنٍ واحد بينما تتحمل قطر وحدها الجانب المالي بالكامل من الجوائز التي بلغت ستةً وثلاثين مليون دولار إلى استضافة المنتخبات وتوفير البنية اللوجستية.

مجرد شاهد

وفي ظل هذا التبدّل في الأدوار تراجع الاتحاد العربي لكرة القدم إلى موقعٍ رمزيّ وأصبح منذ النسخة الماضية ضيف شرفٍ بلا سلطةٍ تنظيمية أو تنفيذية لا يُلغى وجوده لكنه خرج من دائرة الفعل إلى دائرة الشهادة يشاهد من بعيدٍ البطولة التي كانت يومًا تحت رعايته وهي تنضج تحت مظلة الفيفا ورعاية قطر ولأن الاتحاد الدولي لا يعترف بالكيانات الإقليمية مثل الاتحاد العربي لكرة القدم فقد انسحب هذا الأخير من المشهد تماماً لا ليُقصى بل ليقف شاهداً على تحوّل البطولة من مشروعٍ إقليميّ محدودٍ إلى حدثٍ عالميٍّ تتولاه مؤسسة دولية وتُغذّيه دولة عربية كأنما قدّر للبطولة أن تمرّ من طفولتها العربية إلى شبابها العالمي على يد الدوحة التي جمعت بين الخبرة الدولية والرؤية المحلية فأعادت إليها مكانتها المستحقة.

دوحة العرب

في المقابل كانت قطر هي الروح التي جعلت هذا الجسد يتحرك فبينما اكتفت الفيفا بصفة المتعهد الإداري تولّت الدولة المضيفة الإشراف الفعلي لتجعل من البطولة العربية حدثًا يعكس صورتها الحديثة في التنظيم ويجسّد قدرتها على الجمع بين الانضباط العالمي والدفء العربي لقد تحولت كأس العرب إلى مختبرٍ للهوية تُختبر فيه قدرة العرب على تقديم حدثٍ بمعايير احترافية دون أن يفقد روحه وكانت قطر بما تملكه من خبرةٍ بعد استضافة كأس العالم النموذج الذي يعيد تعريف البطولة كحدثٍ قابلٍ للاستمرار والنمو.

ومع اقتراب النسخة الجديدة في ديسمبر 2025 تعود الأنظار إلى الدوحة التي حازت ثقة الفيفا لتنظيم النسخ الثلاث المقبلة 2025 و2029 و2033 لتصبح البطولة جزءاً من دورتها الكروية المستمرة وسيكون نهائي النسخة القادمة في الثامن عشر من ديسمبر وهو اليوم الوطني لدولة قطر ليغدو التتويج احتفالاً مزدوجًا يمتزج فيه العيد الوطني بفرحة المنتخبات المتنافسة على اللقب في مشهدٍ يعبّر عن تداخل الرموز وتوحّد الألوان.

خصوصية

لهذه النسخة خصوصيةً فنية فمنتخبات المغرب والجزائر وتونس ومصر ستشارك بمنتخبات رديفة تمثل اللاعبين المحليين لأن منتخباتها الأولى ستكون في حالة إعدادٍ لكأس الأمم الإفريقية التي ستنطلق في المغرب في الحادي والعشرين من ديسمبر أي بعد ثلاثة أيامٍ فقط من نهائي كأس العرب وهناك فقط تُلزم لوائح الفيفا الأندية الأوروبية بالسماح للاعبين بالمشاركة أما في البطولة العربية فالأمر مختلف إذ لا يُجبر أي نادٍ على إرسال محترفيه ما يجعل كأس العرب مناسبةً لاكتشاف الطاقات المحلية واختبار أجيالٍ جديدة.

في الجانب الإداري صدّق جياني إنفانتينو رئيس الفيفا والأمين العام ماتياس غرافستروم على لوائح البطولة وفق المادة الثانية والخمسين من الباب الرابع عشر من لوائح المؤسسة الدولية بما يضمن إطارًا قانونيًا دقيقًا يحدد الأدوار والمسؤوليات لكنه في الوقت ذاته يكرّس واقعًا جديدًا مفاده أن البطولة أصبحت قطرية التمويل “فيفاوية” التنظيم عربية الهوية وهو توازن دقيق بين الاقتصاد والروح بين من يتعهد الحدث ومن يمنحه المعنى.

بطعم العالمية

وقد أثبتت تجربة قطر السابقة عام 2021 أن البطولة ليست مجرد تظاهرةٍ رياضيةٍ بل وسيلةٌ لتثبيت حضورٍ عربيٍّ متزنٍ في الواجهة العالمية حين تابعها أكثر من مئتين واثنين وسبعين مليون مشاهدٍ حول العالم وتوافد أكثر من ستمئة ألف متفرجٍ إلى الملاعب الستة التي احتضنت المباريات فغدت البطولة عنوانًا للقدرة على الجمع بين التقاليد الرياضية الحديثة ومفهوم الكرم العربيّ في الاستضافة والتفاعل.

إن ما تفعله قطر اليوم هو أكثر من استضافةٍ لبطولةٍ قديمة إنه إحياءٌ لمشروعٍ كان قابلاً للنسيان وتحويله إلى مساحةٍ من التواصل العربيّ تحت مظلةٍ دوليةٍ محايدةٍ وفاعلة فهي لا تكتفي بأن تقدّم الملاعب والبنية التحتية بل تمنح البطولة روحها وتحوّلها إلى ملتقى تُقاس فيه الخبرة والهوية لا فقط النتائج.

عودة الروح

وإذا كانت الفيفا قد جاءت متعهدةً تُنظّم وتُنسّق وتستفيد فإن قطر جاءت راعيةً تمنح وتُضيء وتُعيد التوازن إلى المشهد لتثبت أن البطولة العربية حين تُقام على أرضٍ تدرك معنى الحدث يمكن أن تتحول من فكرةٍ غابرةٍ إلى حدثٍ عالميٍّ ذي حضورٍ دائم.

وحين تنطلق صافرة البداية في ديسمبر المقبل لن تكون المنافسة على الكأس وحدها بل على المعنى نفسه على صورة الكرة العربية في زمنٍ جديد زمنٍ تُكتب فيه الفصول بالعمل لا بالوعود وتُدار فيه البطولات بعقلٍ اقتصاديٍّ منضبطٍ وروحٍ عربيةٍ حاضرة تلك هي كأس العرب كما أعادت قطر تعريفها بطولةٌ تجمع التاريخ بالمستقبل وتوازن بين مصلحة الفيفا ومكانة العرب وتمنح للرياضة العربية مكانها اللائق في الوعي العالمي.

عن admin1

شاهد أيضاً

 بيراميدز يقفز لمقاسمة الصدارة… والأهلي يسقط أمام الطلائع

  انتزع فريق بيراميدز ثلاث نقاط ثمينة بالفوز على مضيّفه البنك الأهلي بنتيجة 1 – …