بعد أن فقدت كرة السلة بريقها … هل يستطيع الاتحاد الجديد إنقاذ اللعبة وإعادة بناءه

 

 

دمشق – وائل العدس

تعيش كرة السلة السورية واحدة من أسوأ مراحلها منذ عقود، في ظل أزمات متراكمة ضربت أركان اللعبة من القاعدة إلى القمة، وسط تراجع واضح على مستوى المنافسات المحلية، وضعف حضور المنتخبات الوطنية، وتدهور في البنية التحتية والتنظيمية، ما أفقد اللعبة بريقها.

أزمة كرة السلة ليست مفاجئة؛ بل هي نتيجة مركبة لتراكم سنواتٍ من الإهمال، الحرب، ضعف الإدارة المالية، وانقطاع الرؤية الاستراتيجية.

لكن انتخاب الاتحاد الجديد بقيادة رامي عيسى يعتبر فرصة نادرة لإعادة البناء من القاعدة إلى القمة، بشرط أن تكون الرؤية واضحة، والالتزامات حقيقية، والشفافية مضمونة، والتعاون بين كل الأطراف: الأندية، اللاعبين، الحكومة، القطاع الخاص والجمهور.

تراجع مخيف

لا يمكن الحديث عن أزمة اللعبة بمعزل عن السياق العام الذي عاشته سوريا منذ عام 2011، حيث ألقت الحرب التي شنها النظام البائد على الشعب السوري بظلالها على مختلف القطاعات، وكانت الرياضة من أبرز ضحاياها.. صالات مدمرة، أندية مفككة، وغياب شبه تام للاستثمار والتخطيط، كل ذلك أدى إلى تدهور مستوى اللعبة، وتقلّص حجم المواهب الصاعدة، وتراجع المنافسة على الصعيدين العربي والقاري.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، باتت الأندية تعاني لتأمين أدنى مستلزمات الاستمرارية، من رواتب ومكافآت، إلى تجهيزات ومعسكرات. أما عقود اللاعبين فكانت تُبرم بمبالغ فلكية أحياناً، ولكن “على الورق فقط”، كما علّق أحد الإداريين، في إشارة إلى عدم الالتزام بالتنفيذ.

وفي غياب آليات رقابة أو تنظيم مالي واضح، تكررت التجاوزات، وتزايدت حالات الانسحاب، أو حتى تجميد اللاعبين، في ظل انعدام العدالة أو غياب المرجعية.

وعلى الصعيد الفني، فإن الدوري السوري يعاني ضعفاً في التغطية الإعلامية والتسويق، وانعدام الرؤية التطويرية للفئات العمرية، وهو ما انعكس على مستوى المنتخبات الوطنية، التي باتت تسجل نتائج متواضعة على المستويات كافة.

 

رهان على التغيير

وسط هذه الظروف المعقّدة، جاء انتخاب رامي عيسى رئيساً جديداً للاتحاد السوري لكرة السلة، بعد حصوله على 27 صوتاً من أصل 40، في عملية انتخابية حظيت بمتابعة كبيرة. وشهدت قائمة المنتخبين تواجد أسماء شبابية ونسائية، ما عُدّ مؤشراً إيجابيًا على التوجه نحو التجديد والشمول.

وفي أول تصريحاته، وعد عيسى بـ”مرحلة عمل احترافي حقيقية”، مؤكداً على أهمية التسويق، والاستثمار في المواهب، وتطوير البنية التحتية للعبة، إلى جانب تعزيز العلاقة مع الاتحاد الدولي واستعادة الاعتراف الكامل.

خطة إنقاذ

استناداً إلى الواقع، فإن المهمة أمام الاتحاد الجديد ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. ويتعيّن على المجلس الجديد تبني خطة إنقاذ استراتيجية تستند إلى محاور رئيسية.

يتمثل المحور الأول بالإصلاح الإداري والمالي من خلال تفعيل مبدأ الشفافية في العقود والتمويل، وإعادة هيكلة آلية التعاقدات ومنع التجاوزات، وإنشاء نظام مالي يُخضع الأندية للتدقيق والمحاسبة.

أما المحور الثاني، فيشمل تطوير الفئات العمرية، عبر دعم المدارس السلوية في الأندية، وإقامة مراكز تدريب وطنية للفئات الصغيرة، وتأهيل الكوادر التدريبية والإدارية المختصة.

المحور الثالث يتعلق بتحديث البنية التحتية، من خلال ترميم الصالات القائمة بالتعاون مع وزارة الرياضة، وإطلاق مشاريع لبناء صالات جديدة بمعايير دولية، وتحسين تجهيزات التدريب والمباريات.

أما رابع المحاور فيتضمن تعزيز الاحتراف والتسويق، وإعادة تنظيم الدوري المحلي بهوية مرئية وتسويقية جذابة، وعقد شراكات مع القنوات الرياضية لبث المباريات، وتحفيز الأندية على بناء فرق قوية تشجع الجماهير على العودة للمدرجات.

ويكمن أهم المحاور باستعادة العلاقات الدولية والعمل مع “فيبا”، إلى جانب تسهيل انتقالات اللاعبين وحرية التعاقد مع الأجانب، وتمثيل سوريا في المحافل الدولية بمستوى مشرّف.

وعلى أعضاء الاتحاد ترسيخ حماية القيم والانضباط بوضع لائحة تأديبية واضحة تطال الجميع بلا استثناء، مع ضمان حرية التعبير الرياضي ضمن الإطار القانوني، محاسبة أي مخالفة تسيء لصورة المنتخب أو الاتحاد أو الدولة.

 

العنصر المضيء

رغم كل التحديات التي تواجه اللعبة، تبقى الجماهير عنصراَ مضيئاَ وسط المشهد المعتم. فالمسابقات المحلية، تحظى بحضور جماهيري لافت، واهتمام واسع عبر وسائل التواصل، ما يؤكد أن شعبيتها لا تزال حاضرة بقوة في الوجدان الرياضي السوري.

لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن شغف الجمهور بات أكبر من مستوى اللعبة نفسه؛ فالجماهير تملأ الصالات وتترقب المباريات بشغف، بينما تقدم الفرق أداءً باهتاً في كثير من الأحيان، نتيجة غياب التخطيط والاحتراف، وكأن الجمهور يُكافئ لعبة لا تُكافئه بالمقابل.

وأخيراً

إذاً، سيدخل اتحاد كرة السلة مرحلة دقيقة، يتوقف عليها مستقبل اللعبة في البلاد لسنوات قادمة. فإما أن يتمكن من رسم مسار إصلاحي واضح، وإقناع الجماهير والأندية واللاعبين بجدّيته، أو أن يبقى مجرد إدارة جديدة تُضاف إلى سلسلة طويلة من المجالس التي تعاقبت من دون ترك أثر يُذكر.

المهمة صعبة، لكن الأمل قائم. والمستقبل، كما يقول الرياضيون لا يُصنع بالوعود.. بل بالخطط والعمل والنتائج، وإذا نجحت هذه الجهود، فستكون كرة السلة قادرة على استعادة مكانتها، وربما تجاوز ما كانت عليه في السنوات السابقة.

مع هذا الاتحاد، تتجدد الآمال بمرحلة تصحح المسار وتعيد الاعتبار لكرة السلة وتضعها على طريق التطوير الاحترافي، بعد سنوات من التعثر والتراجع.

 

عن admin1

شاهد أيضاً

وجوه وحكايات —– بدر الدين الإدريسي… حارس الذاكرة الرياضية وصوت المهنة

  بقلم: الإعلامي والسيناريست “أحمد بوعروة” كيف يستطيع رجلٌ أن يظل وفيًّا للمهنة، في زمنٍ …