الأرقام الفلكية في الرياضة السورية تكريس لرياضة استهلاكية بلا رؤية ولا مستقبل

 

 

 

دمشق – وائل العدس

شهدت الرياضة السورية في السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة تمثلت في تضخم عقود اللاعبين المحليين “كروياً وسلوياً”، إذ باتت بعض الأندية تدفع مبالغ وُصفت بـ”الفلكية” مقارنةً بمستوى الدوري وإمكاناته المحدودة، بل وحتى مقارنة بمستوى اللاعبين أنفسهم.

والمفارقة أنّ هذه العقود تُبرم في وقت تعاني فيه الأندية أزمات مالية خانقة، وتفتقر لأبسط مقومات البنية التحتية والاحترافية.

إن ما يحدث اليوم في الدوري السوري يمكن وصفه بـ”الاحتراف المشوّه”. ملايين تُنفق على لاعبين لا يقدّمون ما يقارب قيمتها، في بيئة تفتقر إلى أساسيات اللعبة العصرية. وما لم يُعَد النظر جذرياً في إدارة الموارد والعقود، فإن النتيجة ستكون مزيداً من التراجع الفني، وتكريس رياضة استهلاكية بلا رؤية ولا مستقبل.

استعراض مالي

لم يعد غريباً أن نسمع عن لاعب محلي يتقاضى مئات الملايين من الليرات السورية سنوياً، بينما لا يُقدّم على أرض الملعب سوى مستوى عادي لا يرقى إلى قيمة العقد المبرم. في المقابل، الملاعب تفتقر إلى الأرضية المناسبة، وتبدو غرف تبديل الملابس أشبه بالمستودعات، بينما تعتمد البرامج التدريبية غالباً على اجتهادات شخصية للمدربين.

الأندية السورية، التي يُفترض أن تكون مؤسسات رياضية متكاملة، تعيش اليوم على تبرعات رجال الأعمال، وهو ما يجعل التعاقدات الضخمة أقرب إلى “استعراض مالي” أكثر منها استثماراً مدروساً في مشروع رياضي متكامل.

منظومة متكاملة

المشكلة الأكبر لا تكمن في ضخامة الأرقام فقط، بل في محدودية أداء معظم اللاعبين الذين يحصدون هذه العقود. فمن حيث المستوى الفني، لا يُقدّم الكثير منهم ما يوازي ما يتقاضاه من مبالغ، فيما تبقى المنافسة محصورة في إطار محلي ضعيف يفتقر للاحتكاك الخارجي الحقيقي.

الأرقام قد تبدو صغيرة إذا ما قورنت بالدوريات العربية الكبرى، لكنها في السياق السوري “فلكية” بكل معنى الكلمة. إذ يحصل لاعب على مئات الملايين في موسم واحد، بينما لا تتجاوز ميزانية بعض الأندية هذا الرقم بكامله!.

الاحتراف ليس مجرد عقود مالية، بل منظومة متكاملة تبدأ من البنية التحتية والملاعب، مروراً بالبرامج التدريبية والتأهيل البدني والنفسي، وصولاً إلى التسويق والرعاية والجماهيرية، لكن في سوريا، يغيب معظم ذلك، ويبقى الاحتراف “ورقياً” أكثر منه واقعاً.

اللاعب السوري، الذي يتقاضى هذه المبالغ، يعيش أحياناً بلا نظام غذائي خاص، ولا يتبع برامج إعداد بدني متكاملة، ولا يخضع لرقابة طبية دائمة، ومع ذلك يُمنح عقوداً ضخمة بدعوى أنه “نجم” قادر على جلب الجماهير أو تحقيق بطولة محلية.

انعكاسات خطيرة

هذا التضخم في العقود يترك انعكاسات خطيرة، أبرزها تضييق الخناق المالي على الأندية، إذ تدخل كثير منها في ديون متراكمة أو تضطر للتقشف في الجوانب الاخرى، كما يسهم في ضعف الدافع لدى اللاعبين، لأن من يضمن عقداً كبيراً بلا معايير صارمة للأداء يفقد الحافز للتطوير.

وفوق ذلك، فإن الأموال المهدورة على التعاقدات يمكن أن تُوظف في تأسيس أكاديميات أو تطوير جيل جديد من اللاعبين.

معايير وضوابط

الحل لا يكون بوقف الإنفاق كلياً، بل بوضع معايير وضوابط واضحة، من خلال ربط قيمة العقد بالمردود الفني والإحصائي للاعب، وفرض سقف مالي للعقود بما يتناسب مع ميزانيات الأندية، وإنشاء نظام رقابي من الاتحادات لضمان عدالة الصرف، وتوجيه الموارد نحو البنية التحتية والأكاديميات.

 

عن admin1

شاهد أيضاً

 بيراميدز يقفز لمقاسمة الصدارة… والأهلي يسقط أمام الطلائع

  انتزع فريق بيراميدز ثلاث نقاط ثمينة بالفوز على مضيّفه البنك الأهلي بنتيجة 1 – …