دبي – عمار الدمني
رغم الوعود الطنانة من رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، الذي شبّه كأس العالم للأندية 2025 بـ ”63 نهائي سوبر بول في شهر واحد”، فإن واقع البطولة بدا متواضعًا وخاليًا من البريق المنتظر. فمنذ بدايتها، عانت من ضعف الحضور الجماهيري، حيث لم يتعدَّ معدل الامتلاء في الدور الأول 57% من سعة الملاعب، رغم أن أغلب التذاكر طُرحت بتخفيضات بعد أن عُرضت بأسعار فلكية، زادت الأمور سوءًا بسبب تأجيل بعض المباريات نتيجة العواصف الرعدية أو الحرارة الشديدة، مثل مواجهة بالميراس والأهلي في نيوجيرسي، ومباراة بنفيكا ضد أوكلاند سيتي في أورلاندو التي انطلقت بعد تأخير دام ساعتين.
درجات الحرارة تجاوزت 35 مئوية في معظم المدن المضيفة، بينما شارك اللاعبون الأوروبيون بعد مواسم منهكة بدنيًا، لتُقام المباريات في منتصف النهار دون مراعاة لسلامة اللاعبين. وليس أدل على ذلك من امتناع البدلاء في بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند عن التواجد على مقاعد الاحتياط، واختيارهم متابعة المباريات من غرف تبديل الملابس تجنبًا للحرارة.
بين الشغف الجماهيري ومنطق السوق
في بطولة وُصفت بأنها فكرة طموحة أُقيمت في توقيت ومكان غير ملائمين، أثار نظام “التسعير التكيفي” لتذاكر المباريات جدلًا واسعًا. فقد بلغ سعر تذكرة بعض مباريات دور المجموعات 1700 دولار، فيما وصلت تذاكر مباراة ريال مدريد وسالزبورغ إلى 8000 دولار عبر منصات إعادة البيع. ورغم دفاع “فيفا” بأن السوق الأمريكية تفرض قوانينها، وأنه لا يمكنها التدخل في الأسعار بسبب الطبيعة المفتوحة لنظام البيع، إلا أن الصورة في المدرجات كانت باهتة، وأثرت الحرارة والتنظيم الضعيف على الحضور والأجواء.
فيفا أكدت أن التسعير المتغير يتماشى مع الممارسات المحلية، وقد خضع للتعديل وفق الطلب، لكن الانتقادات تضاعفت مع اقتراب النهائي في ملعب “ميت لايف” بنيوجيرسي، حيث تراوحت أسعار التذاكر بين 718 و3200 دولار. وبينما كانت البطولة تُسوَّق عبر “تيك توك”، بدا وكأن الشغف الكروي أصبح رهينة لمنطق السوق الأمريكي.
ابتكارات إعلامية أم عرض تلفزيوني؟
من الابتكارات المثيرة للجدل، دخول اللاعبين فرديًا إلى الملعب، وتثبيت كاميرات على الحكام، ومحاولات لبث مشاهد من داخل غرف الملابس رغم معارضة غالبية الأندية الأوروبية. وحتى مع موافقة بعض الفرق مثل مانشستر سيتي على إجراء مقابلة أثناء اللعب مع مساعد المدرب كولو توريه، ظلت التجربة أقرب إلى عرض تلفزيوني منها إلى مباراة كرة قدم.
ولعل أكثر اللحظات غرابة كانت عندما أجبر لاعبو يوفنتوس على زيارة البيت الأبيض للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي استغل المناسبة لإلقاء خطاب سياسي عن إيران. أجواء ثقيلة، كسرتها فقط عبارة اللاعب الأمريكي تيموثي، الذي قال: “أخبرونا أنه لا خيار لنا… أردت فقط أن ألعب كرة القدم، يا رجل”.
فوارق فنية وصعوبات لوجستية
على المستوى الفني، بدت الفوارق شاسعة منذ البداية. فبنفيكا اكتسح أوكلاند سيتي 6-0، وتفوق بايرن ميونيخ عليه 10-0، في حين ظهرت الأندية الكبرى متخبطة. حتى بيب غوارديولا، بدبلوماسيته المعهودة، أظهر جهله بخصمه الوداد المغربي. من جانب الجماهير، فإن الوصول إلى ملاعب غير مهيأة لكرة القدم – كـ”ميت لايف” أو “هارد روك” – كان تحديًا حقيقيًا، خاصة في ظل ضعف شبكات النقل العام، حيث تستغرق الرحلة من وسط ميامي إلى الملعب ساعتين ذهابًا وإيابًا في أفضل الأحوال.
ولا ننسى أن نجمنا السوري عمر السومة تأخر عن الالتحاق بناديه الوداد البيضاوي بسبب تأشيرة الدخول التي تأخرت حتى صدرت، رغم تدخل الفيفا.
هذه النسخة من كأس العالم للأندية بدت أسيرة أجندة تجارية بحتة، تُعلي من العوائد وتُهمل الجمهور، الذي يُفترض أنه جوهر اللعبة.
الهلال يرفع الراية العربية والآسيوية
لم تنجح أندية آسيا وإفريقيا في تجاوز الدور الأول وكان أفضل إنجازاتها احتلال المركز الثالث في مجموعاتها، باستثناء نادي الهلال السعودي، الذي قدم أداءً مشرفًا بتعادلين وفوز، ليبقى الحامل الوحيد لراية العرب وآسيا في هذه البطولة. ظهور يستحق الإشادة ويكشف أن توزيع المقاعد أو توسيعها لا زال يعاني من خلل يجب إصلاحه.
هيمنة أوروبية ومفاجآت لافتة
باستثناء سالزبورغ النمساوي، فقد شكل خروج بورتو وأتلتيكو مدريد صدمة كبرى، كما أن تأهل بايرن ميونيخ كثانٍ عن مجموعته خلف بنفيكا كان مفاجئًا، رغم الفارق في الخبرة والتاريخ. أما تشيلسي، فرغم تقدمه على فلامنغو، انهار في الشوط الثاني وخسر 3-1، في مؤشر على أن الأندية البرازيلية قد تكون العقبة الكبرى أمام نظرائها الأوروبيين في الأدوار المقبلة.
صحوة برازيلية جماعية
تعيش الكرة البرازيلية لحظات ذهبية بعد الأداء المذهل لأنديتها، حيث نجحت جميع الفرق الأربعة المشاركة – بوتافوغو، فلامنغو، فلومينينسي، وبالميراس – في بلوغ ثمن النهائي. وأرجع المحللون هذا التفوق إلى الاستقرار المالي، مع عودة النجوم المحليين، والاعتماد على أجهزة فنية أوروبية. فلامنغو استعان بجهاز فني إسباني، وبالميراس وبوتافوغو تحت قيادة مدربين برتغاليين، بينما يقود فلومينينسي المدافع المخضرم تياغو سيلفا.
بوتافوغو فاجأ الجميع بفوزه على باريس سان جيرمان، بينما قلب فلامنغو تأخره إلى فوز أمام تشيلسي، ونجح بالميراس وفلومينينسي في فرض التعادل على بورتو ودورتموند. درجات الحرارة المرتفعة – والتي بلغت 37 مئوية في فلوريدا – كانت عاملًا حاسمًا في تفوق البرازيليين المعتادين على هذه الأجواء، خاصة أن البطولة تتزامن مع منتصف موسمهم المحلي، على عكس الأندية الأوروبية المنهكة.
وتنتظرها مواجهات نارية في الدور الثاني: بالميراس في مواجهة بوتافوغو، ما يضمن وجود فريق برازيلي في ربع النهائي، بينما يواجه فلامنغو بايرن ميونيخ، وفلومينينسي يصطدم بإنتر ميلان.
فرسان البرازيل الأربعة
|
خروج مرير لأندية الأرجنتين
على النقيض تمامًا، شكّل خروج بوكا جونيورز وريفر بليت خيبة أمل كبرى للكرة الأرجنتينية. ريفر بليت، بقيادة مارسيلو غاياردو، بدأ بانتصار على أوراوا الياباني، لكنه تراجع بعد تعادل مع مونتيري، قبل أن يُقصى بخسارة أمام إنتر ميلان وسط طرد لاعبين. أما بوكا، فخسر أمام بنفيكا ثم انهار أمام بايرن ميونيخ، واختتم مشواره بتعادل باهت مع أوكلاند سيتي الهاوي، ليودع البطولة دون فوز. ورغم هذا الإخفاق، كانت جماهير الأرجنتين لافتة في المدرجات، تؤكد أن الشغف الكروي لا يموت حتى في لحظات التراجع.
ربما يكون هذا الخروج جرس إنذار للكرة الأرجنتينية، قبل خوض تحديات كبرى في ليبرتادوريس المقبلة، فإن لم يكن وقت التصحيح الآن، فمتى؟
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة