إن أردتم البناء (3): المال الكروي في سوريا… حرام أم حلال!

 

دمشق – غانم محمد

 

إن (تحامقتُ) واقتربتُ من رواتب اللاعبين والمدربين في سوريا في زمن الاحتراف، لـ (شُنّت) ضدّي حرب شعواء، ولأصبحتُ (عدو المعترين) و(عيني ضيقة) من النعمة التي يعيشون فيها!

وإن (اعتدلتُ في وقفتي) وأعلنتُ أن اللاعب السوري مظلوم مادياً لخرج الآلاف يسألوني: وماذا يقدّم لينال المزيد!

إن صعدت المدرجات، وسألتَ متفرجاً: هل وجدتَ المتعة الكروية التي أتيتَ من أجلها، ودفعتَ ثمنها مسبقاً، لجاء الرد جازماً: لا…

إن كان اللاعب يستحق أكثر فهو مظلوم، وإن كان لا يستحق فهو ظالم، والجمهور يدفع دون أن يأخذ، ولأن (المال) هو مضمون هذا الظلم، فيحقّ لنا الحديث عن (مال حرام) يُسال في كرة القدم السورية!

الموضوع شائك جداً، وأصعب ما فيه أنه لا يمكن إقامة الدليل على ما سنقول إلا قليلاً، والخوض في هذا الموضوع هو من أحل تنقية الخطوات القادمة قبل أن نخطوها ولو تحت عناوين (نظرية)…

 

انسوا المقارنات

إذا وضعنا (دورينا السوري) في خانة واحدة مع الدوريات العربية الأخرى لوجدنا الدوري السوري بلاعبيه ومدربيه وحكامه ومراقبيه شبه مجاني، أما إن تركناه في البوتقة السورية لأصبح كل لاعب كرة قدم بـ 100 مهندس على الأقل فكيف يمكن قراءة الموقف.

في حياة لاعب كرة القدم هناك عمر افتراضي متوسطه (10 سنوات)، لا قبلها ولا بعدها إلا إذا اتجه اللاعب إلى التدريب، وبناء عليه يكون (تبرير) ما يقبضه اللاعب تجاه أي مهنة أخرى…

في التفاصيل العلنية، يعمل اللاعب في اليوم حوالي ساعتين فقط (حصة تدريبية)، بينما يعمل المهندس مثلاً من 8-10 ساعات يومياً، ويقبض اللاعب في شهر ما يقبضه المهندس في سنة، لكن ومن باب الاستدراك فإن للمهندس راتباً تقاعدياً يضمن له مستقبله (على أساس)، بينما يتجه اللاعب إلى المجهول بعد الاعتزال…

اللاعب أثناء اللعب يكون النادي الذي يلعب له مسؤولاً عن معالجته من أي إصابة أي مشمولاً بـ (الضمان الصحي)، وغالباً ما يتمّ تأمين السكن له إن كان من خارج المحافظة، وتشمله مكافآت كثيرة (مقابل الحوافز الوظيفية)…

أسئلة مشروعة

ونحن نقلّب هذا الموضوع لا بدّ من لفت النظر إلى أكثر من مسألة:

* من يدفع مقدمات عقود ورواتب اللاعبين… النادي كمؤسسة رياضية ليس قادراً على فعل ذلك بكلّ تأكيد، فيأتون بأشخاص من خارج الرياضة يدفعون بإرادتهم أو من دونها، ربما مقابل تسهيلات واستثناءات في مكان ما، وربما لأنّهم يحبّون كرة القدم…

* لو كانت مقدمات العقود والرواتب تخرج من ميزانيات الأندية لاستدعى ذلك وجودها أصلاً في خزائن هذه الأندية، وهذا لا يحدث بنسبة تفوق الـ 90 %.

* ولو كانت مقدمات العقود والرواتب تٌسجل بشكل نظامي في اتحاد كرة القدم لكان الأخير في (بحبوحة) تحسده عليها أي وزارة في سوريا، وما يحصل هو أنّه يتمّ تسجيل جزء من المبلغ، والآخر خارج التوثيق بمعرفة (سماسرة) لهم حصّتهم مقابل سكوتهم.

* ولو كانت هذه المبالغ ملكاً للنادي لما احتاج أي نادٍ للتسول مقابل مشاركة أي لعبة غير كرة القدم في أي بطولة أخرى..

* وحتى لا يبدو وكأننا مصلحون بالمطلق فإننا ننوّه إلى أنّ كرة القدم تحتاج إلى هذه الأموال، لكن اعتراضنا هنا على الطريقة، وعلى آلية الصرف…

* عندما تأتي التقارير المالية السنوية، وفي أحسن الأحوال، يذكر رقم الصرف على كرة القدم ككتلة واحدة لا بقصد الدراسة والمناقشة وإنما لطلب المزيد من الإعانات المالية.

عندما تحضر هذه (الأسئلة) وأجوبتها الحقيقية نكون أمام وجهي المال الكروي: الحلال والحرام، أما والحالة التي عشناها في عقدين من (الاحتراف الكروي) فلا نرى إلا وجهاً واحداً وإن اعترض على هذا كثيرون!

المطلوب هو أن نستطيع وضع الأجوبة الحقيقية لـ (الأسئلة المشروعة) التي تُطرح في سوق اللعبة وبين أهلها…

ولدى المدربين أيضاً!

سنترك اللاعبين جانباً، ونتحدث قليلاً عن المدربين، والذين غالباً ما يكونون (كبش فداء) والحلقة الأضعف في كرة القدم…

نظرياً، يخضع المدرب لدورات تدريبية متواصلة، ويحضّر لكل تدريب، ويكون مسؤولاً عن وضع التشكيل وقيادته والتعامل مع المتغيرات وتحمّل المسؤوليات، وربما الإهانات، وبالتالي فإنه يستحق أن يقبض ما يقبضه…

المدرب قد يُقال بعد شهر أو شهرين أو… عمله ليس متواصلاً، والأعباء التي ينوء بها كثيرة..

فيما يخصّ الجانب المادي في عمله، فإن المدرب السوري على وجه التحديد غالباً ما يضع نفسه تحت الظلم بإرادته، ويقبل بشروط عمل غير منصفة، وغير موثقة في اتحاد اللعبة، لذلك يتمّ طرده بكل بساطة…

 

ما بعد التشخيص..

لا جديد فيما تقدّم، وكثيرون يعرفون هذا الكلام، فكيف نتجه إلى البناء في هذا المحور؟

* على أنديتنا أن تمتلك قرارها المالي، وأن تكون حساباتها مكشوفة في البنوك، وخاضعة للمراقبة والمراجعة.

* لا يجوز أن يتمّ صرف أي ليرة إلا بقرار رسمي ومن آمر الصرف في النادي، وتحوّل نسخة منه إلى الجهات الرقابية.

* تُعامل الأندية الرياضية معاملة الشركات الاقتصادية بقوانين (قد تكون مخففة بعض الشيء من حيث نسبة الضريبة على أموالها.. مثلاً).

* تطبيق قانون الكفاءة المالية واللعب المالي النظيف بعد أن تمتلك هذه الأندية ملاعبها ومنشآتها واستثماراتها.

* منح الأندية حرية الاستثمار ضمن القوانين المعمول بها في الدولة.

* التشجيع على الاستثمار في المجال البشري (إنتاج لاعبين، وإدارة دورات وورش عمل تدرّ مالاً بدل أن تستهلكه).

الجاهزية المطلوبة

بالتأكيد لسنا جاهزين لمثل هذه الأفكار، لا يمكن أن نكون فوق الكثبان الرملية ونتحدث عن ثبات البنيان… علينا أولاً أن نقوّي الأرضية التي سيتمّ عليها البناء، وهذا بحاجة إلى:

* قرار رياضي جريء ينصّ صراحة على إعطاء الرياضة السورية اهتماماً خاصاً بعيداً عن جدولة الأولويات.

* اختيار أشخاص جديرين بقيادة المرحلة فكراً وعملاً وتحمّلاً للمسؤولية، يتحلّون بنظافة الفكر والكفّ..

* فتح السقف أمام تجارب عربية وعالمية ناجحة، واستقدام أبطال تلك التجارب إن أمكن.

* العمل وفق جدول زمني يحدد ما هو آني وما هو استراتيجي، ويكون التطبيق هنا وهناك احترافياً ودقيقاً.

* إيجاد فريق قانوني يقاطع القوانين الرياضية مع القوانين العامة في الدولة، فيجنّب أي تحرّك رياضية عراقيل الإيقاف أو حرفه عن مساره.

* البند المالي الخاص بكل فكرة أو حركة أو مشروع يجب أن يكون واضحاً وملبياً، وخاضعاً للمراقبة الحازمة.

المال.. بين توفّره وإدارته

بناء على كلّ ما تقدّم هناك معادلة (بسيطة) من طرفين: توفّر المال وجودة إدارته، وفي الملفّين مازلنا نحبو، وربما نستمرّ…

بعيداً عن الحقيقة التي لم يكن يعرفها إلا الله والقائمون على كرة القدم السورية، فإن أموالاً معينة تأتي إلى صندوق الاتحاد السوري لكرة القدم، ولئن كانت المبالغ (مجهولة) بالنسبة للمتابعين إلا أنّها كانت تأتي:

أولاً- من حصة اتحاد كرة القدم من الميزانية الرياضية بشكل عام.

ثانياً- من رسوم تسجيل اللاعبين لدى الاتحاد السوري لكرة القدم.

ثالثاً- العقوبات المالية التي كان يفرضها الاتحاد على الأندية واللاعبين.

رابعاً- عقود استثمار الدوري الكروي.

خامساً- مكافأة المشاركة في التصفيات الآسيوية والعالمية.

سادساً- حصّتنا من تسويق البطولات القارية والعالمية

سابعاً- حصّتنا من ميزانية الاتحادين الآسيوي والدولي.

ثامناً- عائدات دورات المدربين والحكام بمختلف مستوياتها.

تاسعاً- استثمار شعار الاتحاد السوري لكرة القدم (معطّل)

عاشراً- ريوع مباريات المنتخبات الوطنية (معطّل).

هذه البنود الـ 10 يجب أن توفّر للاتحاد السوري لكرة القدم (الاكتفاء الذاتي) في الحدّ الأدنى، وإذا ما (تشاطر) وافتتح أكاديميات خاصة به فسيكون المردود أفضل، لكن ورغم كلّ ذلك كبرنا على مقولة أن الاتحاد لا يملك ثمن الشاي الذي يشربه أعضاؤه!

عدم تفعيل بعض هذه البنود والضبابية التي تلفّ البنود الأخرى (وخاصة ما يأتي من الخارج) وضعت المال الكروي موضع شبهة، دون أن ننسى أن اتحاد الكرة ملزم أيضاً بـ:

* إدارة مقرّه، وتكاليف هذه الإدارة.

* رواتب العاملين في الاتحاد.

* معسكرات المنتخبات الوطنية محلياً وخارجياً.

* مكافآت لاعبي المنتخبات الوطنية.

* استقبال الوفود.

* أجور مدربي المنتخبات الوطنية.

* تكاليف سفر أعضاء الاتحاد محلياً وخارجياً.

وبين الوارد والصادر تقف ألف علامة استفهام، وبعض هذه العلامات يتحوّل إلى (تهمة) لا نستطيع إثباتها ولا تبرئة الاتحاد منها.

وحتى يكون الطريق سالكاً (دون تهم وشكوك) علينا أن نضع قوانين مالية يطلع عليها الجميع، ويسهر على تطبيقها فريق قانوني مختصّ لا يكون هو الآخر موضع شبهة.

نميل إلى (الاتهام) بعض الأحيان لأننا نفتقد التفاصيل، ولم يكن مسموحاً لنا بالاطلاع عليها، وخلاصة الكلام:

* إدارة المال الكروي ليس تسطير فواتير ومراجعة حسابات، وتخريجها، بحيث لا يدان أي شخص في نهاية المطاف.

* المال الكروي ليس كتلة ثابتة، فإن لم نعمل على تنميته، واستثماره، فكأنه لم يكن.

* المال ليس فئات نقدية توضع في البنوك أو في خزينة الاتحاد، فهناك أفكار يجب أن تُسوّق، ومطارح يجب أن تُستثمر، وبطولات يجب أن تكون منتجة.

وعلى من يدير هذا المال أن يكون:

* خبيراً في  إدارة الأموال وتشغيلها.

* أميناً، وموضع ثقة في قبل إدارة اللعبة والأجهزة الرقابية.

* مرناً في الإدارة، وقادراً على المبادرة وقت اللزوم.

* على مسافة واحدة من جميع الأطراف المتقاطعة والمتعاملة بهذا المال.

* جيّد التصرف في الأمور الطارئة.

للأمانة

* مع بعض الاستثناءات القليلة جداً، لم يمرّ على رأس الكرة السورية إلا نظيفو الكفّ، والمكتفون مالياً، ولم يسجل تاريخ هذه اللعبة أي حالة سرقة موصوفة.

* مع قلة المال الذي بين أيديهم، كان بعض رؤساء الاتحادات السابقة يدفعون من جيبهم الخاص لـ (تمشية الأمور).

* العيب الذي شمل معظم الاتحادات الكروية السابقة هو ضعف المبادرة لديهم، ولم نقرأ في متابعتنا لهذه اللعبة أن رئيس اتحاد سابق أدخل أي مبلغ إلى صندوق الاتحاد إلا من خلال تسويق الدوري والعقوبات.

* الحديث عن فساد البعض وتورطه في (السمسرة) على تسويق الدوري لا يمكن نفيه أو إثباته إلا من خلال أحاديث كان يتبناها طرف وينكرها طرف، وتسقط هذه القصص بالتقادم.

 

أفعال فردية

عندما كنّا نتحدث عن (الشغب الجماهيري)، في الدوري السوري، كانت تقول البلاغات الكروية: قلّة مندسة من جمهور الفريق الفلاني… وبناء عليه يتمّ تسطير العقوبة…

ما ردده الجمهور الكروي خلال العقود الماضية عن سرقات في اتحاد الكرة ولجانه، يمكن أن نرجعه إلى ذات المصطلح، أما مضمون ما كان يحصل:

* مساومة إدارات الأندية على حجم العقوبة الآتية بحقّها.

* مساومة اللاعبين من أجل ضمّهم للمنتخبات الوطنية ليحملوا تسمية (لاعب دولي) ويزيد سعرهم في سوق الانتقالات.

* مساومة إدارات الفرق على أسماء الحكام.

* مساومة المدربين في موضوع ترشيحهم للدورات التدريبية.

* مساومة الحكام قبل الترشيح على اللائحة الدولية.

* كسب ودّ بعض وسائل الإعلام والإعلاميين مقابل مبالغ معلومة.

* تزوير فواتير الصرف (طعام، تنقلات، أدوات تدريب.. إلخ).

اللهم هل بلّغت؟

أعتذر من كلّ شريف مرّ في تاريخ كرتنا (وما أكثرهم)، ومن يشعر أن أي فقرة من هذا المقال تخصّه فتلك مشكلته مع نفسه قبل أن تكون معنا..

ننتظر الآتي إلى خضمّ الكرة السورية، آملين أن يكون الجوّ نقيّاً وخالياً من أي شائبة، وأن يكون كلّ شيء تحت مرآة الحقيقة والشفافية..

نعم، نستطيع، ويجب أن نستطيع، شرط أن نعطي من يعمل في كرة القدم السورية ما يستحقه..

ليس أصعب من موقف يدفع فيه لاعب مثلاً إلى صحفي من أجل أن يمتدحه… لو كان هذا الصحفي مكتفياً مالياً لما قبل بهذا الدور (الحقير)…

لا أبرر لأي أحد، ولكن الظروف قد تفرض قسوتها، والحاجة قد تفرض وجعها، والحلّ أن نحصّن من لديه (بذرة خير) علّها تنبت سنبلة كروية مباركة.

عن admin1

شاهد أيضاً

وجوه وحكايات —– بدر الدين الإدريسي… حارس الذاكرة الرياضية وصوت المهنة

  بقلم: الإعلامي والسيناريست “أحمد بوعروة” كيف يستطيع رجلٌ أن يظل وفيًّا للمهنة، في زمنٍ …