علي رياح
كلما أطلّتْ نسخة من دورات الخليج العربي الكروية، كان السؤال يتملل وينهض من رقدته ليأخذ طريقه إلى ألسنة الجميع: هل ما زالت لبطولة كأس الخليج العربي حاجة أو ضرورة أو أهمية بعد أن تغيرت الدنيا ومن عليها؟!
في السياق (المزمن) هذا، أعيد السؤال في نسخة الكويت الحالية إلى الواجهة، وتبارى المسؤولون والمعنيون والإعلاميون ومعهم الجماهير في تناول الإجابة، كلٌ من منظوره، ومن ذكرياته، ومن أسبابه.. وما زالت الهوّة قائمة بين الاتجاهين.. ثمة من يرى أن هذه المسابقة تزداد توهجاً في إرث المنطقة الجغرافي والشعبي ثم الكروي وأنها ما زالت الحبل المتين الذي يشد الأوصال ويديم اللقاء على نحو منتظم، وهذا يمثل في حد ذاته مكسباً كبيراً لشعوب المنطقة قريباً أو بعيداً من المنافسة المحتدمة على الزعامة واللقب، بينما ينطلق الاتجاه المقابل نحو القناعة بأن هذا الحدث قد استنفد أغراضه بعد أن انتقل الأغلب الأعمّ من المنتخبات الخليجية إلى آفاق أوسع من الإطار الخليجي وصار لها حضور آسيوي وحتى عالمي في بعض الأحيان، ولهذا – وفقا لهذه القناعة- فإن البطولة لم تعد سوى تقليد يُذكر بالماضي ولا قيمة فنية له حين النظر إلى المستقبل وما يشهده العالم من تحولات في كرة القدم!
حين أشهدُ مثل هذا الاستقطاب بين الرأيين، استعيد رائعة شاعرنا الكبير نزار قباني على لسان القيصر كاظم الساهر (أكرهها واشتهي وصلها.. وإنني أحبُّ كرهي لها)، فللعاطفة هنا فصل القرار، حتى أن دعوات التخلي عن دورات الخليج والتي انبثقت بعد وصول الكويت إلى نهائيات كأس العالم في إسبانيا 1982 وانطلاق دولة خليجية نحو الآفاق العالمية، كانت تظهر ثم سرعان ما تتلاشى.. والحقيقة الوحيدة التي صمدت بعد 54 سنة على انبثاق المسابقة أنها ما زالت موضع الاهتمام، ربما لأن كثيرا من المنتخبات الخليجية أصبح قادراً على المنافسة وإلى الحد الذي كان التكهن فيمن سيحرز لقب النسخة السادسة والعشرين صعباً، إذ حضرت سبعة من أصل ثمانية منتخبات في (بورصة) التوقعات بعد أن استُبعد المنتخب اليمني لظروف ومعطيات معروفة لدى الجميع!
في الجزئية المتعلقة بنا نحن العراقيين، ينفلت الخيال من أسر الحاضر ويذهب بعيداً، إلى ثمان وأربعين سنة خلت. حين يمرّ في خاطري ذكر دورات الخليج العربي، أعود إلى الدوحة 1976، يوم بدأ وعيي الكروي الشخصي يتشكّل، ويوم وجدت أن للكرة سحراً أخّاذاً يولد من رحم المنافسة التي تجلي الغبار عن المعدن النفيس..
كانت دورة الدوحة الرابعة نقطة انطلاق خليجية عربية لكل ذاكرة عراقية عرفت قيمة المنافسات الكروية في المنطقة ابتداءً من تلك المناسبة التي قدّمَ فيها العراق جيلا من النجوم لم يقدمه لا قبل تلك البطولة ولا بعدها..
حين تتقافز أمام ناظريك أسماء من طراز فلاح حسن، علي كاظم، رعد حمودي، مجبل فرطوس، دوكلص عزيز، هادي أحمد، علاء احمد، محمد طبرة، عادل خضير، كاظم وعل، صباح عبد الجليل، رحيم كريم، حسن فرحان، احمد صبحي، علي حسين محمود، رياض نوري وغيرهم.. حين يقفز كل هذا (الكمّ) وبمواصفات هذا (الكيف) من الأسماء، فإنك لا تملك إلا أن تستودع تلك المشاركة وهي الأولى للعراق أعزّ ما تدّخره في عقلك وفي قلبك..
تلك المشاركة انتهت إلى غير ما كنا نطمح إليه.. خسر فريقنا اللقب لنظيره الكويتي بعد مباراة فككنا الكثير من ألغازها وما زالت شفاه لاعبينا تنفرج عن ابتسامة غريبة كلما بحثنا عن السر لديهم.. ابتسامة تحمل أجوبة أخرى ربما لم يحن وقت البوح بها!
وانتقل العراق من ركن إلى ركن في تاريخ الدورة، فاز أربع مرات، وانسحب مرتين، وكان الوصيف في مثلهما، وأخفق في المرات المتبقية، وغاب أربع عشرة سنة لدواع سياسية.. لكن هذا الحدث بقي عصيّاً على النسيان، فقد كان العراقيون، كما هو حال شعوب المنطقة الأخرى بأسرها، ينظرون إلى البطولة على أنها المُجسّـد الوحيد لتطلعاتهم الرياضية.. الفوز باللقب غاية المنى، وقد يرقى في حسابات البعض إلى مستوى الحصول على لقب بطولة أكثر اتساعاً من الناحية الجغرافية!
لقد عشتُ هذه المشاعر بالفعل في الكثير من دورات الخليج العربي والتي تابعتها في الميدان لا عبر الشاشة.. ولا أملك اليوم إلا الانطباع بأن هذا الحدث قد يفقد عذوبته لدى الكثيرين بعدما اتسعت دائرة الاهتمام باستحقاقات كروية أخرى.. أما أنا فما زالت ذكرى الدوحة 1976 وما تلاها من ذكريات في ست عشرة مشاركة عراقية، راسخة مثل الجبال، ربما لأنها تحمل ذكريات الصبا، أو لأنها اقترنت بأجيال كروية لن تتكرر..
ثمة من يجد في هذه الدورة ما لا يجده في سواها.. وذلك بالضبط سر سيكتب للحدث هذا صموداً في وجه النسيان!
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة