بدر الدين الإدريسي
ما كان حديثا نلغو فيه، وما كانت أرقام وإحصائيات تتلاعب بها الكلمات، ولا كان وهما نصوره للناس ولأنفسنا على أنه حقيقة، ما فعله المنتخب المغربي للصالات وقد تقمص لون الأسطورة عندما تروى، هو واحد من الدلائل التي تؤكد ما ذهبنا إليه مرارا ونحن نتعقب خيبة الإقصاءات بروح محفزة على السعي وراء ما هو أفضل وأجمل، من أن ممكناتنا كبيرة جدا، أكبر من أن تطفئ جذوتها هزيمة أو سقوط، ومن أن العمل هو قائد المُلهَمين إلى النجاح.
لا يهم إن كان مسير أسود الصالات في مونديالهم الرابع تواليا بأوزبكستان، قد توقف في دور الربع الذي بلغوه للمرة الثانية توالياً، بقدر ما يهم أن نسأل أنفسنا من أين جاءت كرة الصالات المغربية؟ وإلى أين وصلت اليوم؟ وما الذي تسلحت به في صعودها لهذه الجبال الشامخات، لتكون مع كبار القوم في أعلى القمم؟
سنة 2012 وصل المنتخب المغربي بمعية مدربه العاشق والشغوف والمحترق بنار كرة الصالات الجميلة هشام الدكيك، إلى المونديال لأول مرة، كان مونديال القاعة يحتفي بتايلاند بنسخته .
خسر الأسود مباريات دور المجموعات بكاملها، بالثمانية أمام بنما، بالهدفين أمام إيران وبالخمسة أمام إسبانيا، ولم يُسأل لا الدكيك ولا الأسود عن هزائمهم تلك، فقد كانوا في حضرة أقوى البطولات العالمية يتعلمون، ومن يتعلم لا ينهزم، وتكرر معهم نفس المشهد في دورة كولومبيا بعد أربع سنوات، سقطوا بخماسية أمام أدربيدجان ومثلها أمام إيران، وشهدت المباراة الثالثة على انبلاج الضوء الأول في سماء المونديال، فبرغم خسارة الأسود أمام إسبانيا في مباراتهم الثالثة برباعية لثلاثة، إلا أن التلميذ التقط الإشارة وهضم الدرس جيدا.
ومن كان التلميذ والحالم في محراب المونديال، هو هشام الدكيك الذي سيوظف الخبرة المكتسبة في المونديالين الأوليين، ليشق الطريق الأولى نحو العالمية، أن يصبح السيد الأول لإفريقيا، منتزعا التاج القاري من المنتخب المصري، وتلك كانت لحظة فارقة في تشكيل هذه اللوحة الرائعة التي نقف وكل العالم منبهرين أمام تلاوينها الجميلة.
من لحظة القبض على اللقب الإفريقي الثاني تواليا بمدينة العيون المنيعة، سيشترك مهندس النجاحات، فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مع الكيميائي هشام الدكيك في وضع الأساسات القوية لصرح كرة الصالات، ببناء القاعدة أولا والدوري الوطني يشهد تحولا كبيرا في نظام حياته، وبتمكين المنتخب المغربي من سلسلة معسكرات ووديات، سمحت لهشام الدكيك بأن يصبح الفوتسال الهواء الذي يتنفسه والتحدي الأكبر الذي تستمع به كل حواسه.
وكان من نتيجة هذا التنزيل المحكم لاستراتيجية عبقرية، أن المنتخب المغربي بلغ الدور ربع النهائي في ثالث مونديال له، سنة 2021 بليتوانيا، وخرج منه على يد المنتخب البرازيلي حامل الرقم القياسي في عدد مرات الفوز باللقب العالمي (5 ألقاب)، وأتبع ذلك ببسط نفوذه على الفوتسال الإفريقي والعربي بأن احتكر ألقابه الثلاثة الأخيرة، واستحق على نتائجه الرائعة في عشرات الوديات التي مكنه منها رئيس الجامعة في الثلاث سنوات الأخيرة، أن يدخل موندياله الرابع بأوزبكستان وهو مصنف سادس عالميا، فكيف لا ينجح في الوصول مجددا للدور ربع النهائي للمرة الثانية تواليا.
وعندما نجرد الإكراهات التي لاحقت هشام الدكيك في تحضيره ومشاركته في مونديال أوزبكستان، وهو يُجَرَّد بشكل قهري من ركائز بشرية، بغيابها القصري تبخرت الكثير من المتغيرات التكتيكية التي كانت تغنى منظومة اللعب، نقف على ما بلغه هشام الدكيك من حرفنة ودقة الصنعة، في إبداع أنماط جديدة، بل وفي صناعة الإنجاز في صورة إعجاز وفي مولد فجر من عتمة الظلام، ومن تحويل الجمرة إلى ثمرة، وتلك هي خاصية النبغاء والكيميائيين الخالدين، وهشام الدكيك إبن وطني واحد منهم..
لا أحتاج لسرد المزيد من الإنجازات، لأدلل على الأثر الكبير الذي يتركه هشام الدكيك ليس فقط في كرة الصالات المغربية، بل الفوتسال العالمي، فهو الرجل الذي يترك التاريخ يتحدث عنه، أكثر وأفضل مما نتحدث عنه نحن وغيرنا.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة