بسام جميدة
لا يمكن أن تصل إلى مرحلة متطورة من أي عمل في أي منحى من المناحي الحياتية والعملية إن لم تتوافر لديك أسس ثابتة وعلمية لهذا العمل تنطلق منها إلى مراحل متدرجة كي تصل إلى الطموح المنشود.
هذه الأسس تتمثل في أن تكون أولاً مهيئاً لهذا التغيير ذهنياً أولاً ومنفتح على كل جديد، وكل من حولك، ولديك الكثير من المهارات القابلة للتطور على الصعيد الشخصي، ومن ثم تبدأ بتنفيذ رؤيتك على العمل الذي تشرف عليه عبر برامج تستند إلى استراتيجية عمل تنقسم إلى قسمين قريبة وبعيدة، ويكون حولك فريق عمل بكفاءة عالية تمنحه كل الثقة، ولكل شخص مهامه التي يتقنها.
على صعيد العمل المؤسساتي يتوسع الأفق أكثر، وفق تلك الرؤى، إنما بوجود أشخاص يملكون العقلية الإحترافية العالية وبما أننا نتحدث هنا في واقع رياضي عربي لا يزال بنيانه غير مرصوص ويحتاج إلى العمل المضني كي يصل إلى مصاف الدول المتحضرة رياضيا وأصبحت الرياضة ليس مجرد ألعاب تُمارس، بل أحد أضلاع الاقتصاد الذي يعول على مداخيله في رفد خزائن الحكومات بالمال، من خلال الضرائب ونظم الاستثمار الواضحة، وليس مستغربا أن يتوجه أثرياء العالم والمؤسسات الضخمة والشركات التجارية صوب الأندية ورعاية البطولات لأنهم يدركون أهمية الرياضة أولا في الوصول إلى أكبر شريحة في العالم، وتتركز هذه الاستثمارات في البطولات الأوربية المختلفة يأتي في طليعتها كرة القدم.
الرياضة العربية تفشل في جذب هذه الاستثمارات إلا بالقدر الضئيل جدا، وعندما نبحث في الأسباب نتلمس غياب النظم الإحترافية في مفاصل الرياضة التي تعمل بطريقة اقرب للعشوائية، فلا نجد ملعباً يحمل أسم شركة أو بنك أو مؤسسة، وبالكاد نرى إعلان رعاية على قمصان اللاعبين بأثمان قد لا تسد المصاريف والعقود، وعندما تتغير إدارة نادي ما “والتغيير سمة مستدامة” تتغير معه كل اللوائح “هذا إن كان فيه لوائح” وتتنصل اللاحقة من التزامات السابقة، وهذا ما يبعث على النفور، لأن الهواية لازالت تحكم العمل، ولا يوجد إداري محترف يعمل بعقد يمتد لسنوات ومطلوب منه أن يطور ويؤسس لبيئة استثمارية مناسبة، طبعا لا ننكر وجود بعض الاستثناءات.
الأموال العربية في غالبها تتجه نحو الأندية الأوربية للإستثمار فيها، ليس لأن العوائد هناك أكثر وأدسم، بل ربما تكون الضرائب أكثر، ولكن لأن البيئة الحاضنة تعمل بشكل صحيح، ولو كان هناك من يعمل على رفع المستوى الرياضي بالتوازي مع العمل الإداري الاحترافي لكانت هذه الأموال تصب في الأندية والملاعب العربية، ولعلنا نستطيع أن نضرب مثالاً من الواقع ومن دولة الإمارات العربية التي تعتبر مدينة دبي من أكثر دول العالم جاذبة للاستثمارات العالمية وفيها كبرى رؤوس الأموال، ولكنها لا تستثمر في الرياضة الإماراتية، بينما نرى ملاعب إنجلترا تحمل أسم طيران الإمارات والاتحاد مثلا، وهنا تكمن المفارقة.
خطوة على الطريق الصحيح تلك التي سارت عليها بعض الأندية السعودية في الاستعانة بمدراء أندية محترفين أجانب لإدارة العمل الإداري والفني على صعيد اللعب، ولكنها خطوة تحتاج إلى خطوات أخرى لتفعيل الاستثمارات في الأندية ونجاحها كي لا تستنزف الرياضة المال كله من صندوق الاستثمار، وتصبح هي من ترفد نفسها بالمال حيث لديها من الجماهيرية والنجوم والمطارح الاستثمارية الكثير ناهيك عن جاذبية الألعاب والدوري الكروي بالنسبة للقارة الآسيوية.
طبعا لا نبخس جهود كثير من الأندية العربية الكبيرة التي تمول نفسها بنفسها، عبر الرعاة والمستثمرين، وتعتمد على كوادر خبيرة وعلى شهرتها الطاغية سواء في الأهلي المصري أو الوداد المغربي على سبيل المثال، مع التأكيد على أنني لست من مؤيدي فكرة استقطاب داعم آني يعتبر النادي بوابة للشهرة أو لتحقيق بعض المآرب أو لتبييض المال أو الأنفس، وقد رأينا كم كانت فاشلة هذه الخطوة لأنها ليست مستدامة، ومن الأفضل أن يكون النجاح بوجود دعائم راسخة وضمن نظم وقوانين تساهم برفع سوية اللعبة لتصل إلى مصاف النجومية.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة