ارابيسك —- رفقاً بالمشاهد؟

!

 ستوكهولم – ملكون ملكون

 

في حديث ذكريات للمعلق الشهير الراحل الكابتن (محمد لطيف) روى هذه   الحادثة – العبرة:

في إحدى المباريات التي حضرها في انكلترا قبل أن يبدأ رحلته في عالم التعليق الرياضي، وحتى قبل أن يفكر بالتعليق، وبينما هو جالس بين المتفرجين لفت نظره أن أحدهم يتحدث عن المباراة بصوت عال، وبتفصيل ودقة واصفاً حركة اللاعبين وتنقلاتهم ونقلهم للكرة من لاعب إلى لاعب، والتسديد على المرمى والمخالفات.  أي كل صغيرة وكبيرة مما يجري على المستطيل الأخضر، فتساءل الكابتن(لطيف) بدهشة : ما الذي يفعله هذا الرجل؟ ولماذا يتحدث عن المباراة بهذا الانفعال؟، أجابوه بأن هذا الرجل هو مشرف مختص في معهد خاص بفاقدي البصر، ولأن هناك عدد من طلاب المعهد يحبون كرة القدم ولا يستطيعون مشاهدتها فإن المعهد يوفد معهم مشرفاً يجلس معهم على المدرجات، ويصف لهم المباراة بدقة.

هذه الحادثة علقت في ذاكرة الكابتن (لطيف) لدى عودته لمصر، وبعد اعتزاله لعب كرة القدم، فاستفاد منها عند بدء نقل المباريات عبر أثير الإذاعة المصرية حيث عُيّن كمذيع رياضي، ومنذ البداية أيقن إنه سيقوم بنفس الدور الذي كان يقوم به مشرف المعهد في بريطانيا إذ وضع في حسبانه أن كل من يسمعه عبر أثير الإذاعة هو كالضرير لا يشاهد المباراة، وبحاجة لمن يصفها له بدقة، وهذا كان مفتاح النجاح الكبير و المشهود للكابتن لطيف، فأصبح فيما بعد أشهر المعلقين الرياضيين العرب لأنه احترم من يسمعه فانفعل وفرح بلا مبالغة، وتعاطف بلا تحيز، مُوجِزاً في التعليق، مبهراً في المفردات.

هذه الحادثة ذكرتني بما يعانيه المشاهد الرياضي العربي من حشو ولغو واستطراد بلا مبرر أو فائدة من قِبل معظم المعلقين الرياضيين العرب، فمع بدء نقل المباريات عبر شاشات التلفاز، ومن ثم كثرة الفضائيات العربية ابتلى المشاهد الرياضي العربي بعدد من المعلقين الذين لا يتقنون من فن التعليق الرياضي سوى الحديث طوال زمن المباراة حديثاً معظمه لايُسمن ولا يغني عن جوع. يستعرضون فيه معلوماتهم الرياضية عن الفريقين بطريقة فجة غير مدركين أن المشاهد مع تنامي وسائل الاتصال أصبح يمتلك ثقافة جيدة ومعلومات رياضية قيّمة وهو بحاجة ليتابع المباراة، ويستمتع بصخب الجمهور على المدرجات، ومجريات المباراة على المستطيل الأخضر مع تعليق مبسط خفيف ومفيد من قبل المعلق ليكون خلال المباراة ضيفاً خفيفاً  .

والأنكى من ذلك أن البعض يسرف بالكلام بلا توقف لدرجة تخاله يجلس إلى جانبك على الأريكة، ويتحدث لك بشكل شخصي فلا تسمع إلا صوته، ولا تصغي إلا لمعلوماته القيمة، فيحاصرك ولا تملك إلا أن تخفض صوت التلفاز وتُرغَم على مشاهدة مباراة صامتة بلا صخب أو ضجيج محبب من الجمهور هو بمثابة النكهة الضرورية لتكتمل لوحة المباراة .

وعلى ما يبدو أن هذا النوع من المعلقين لم يدرك بعد أن المباريات تُنقل لنا صوتاً وصورة، وأننا نرى المباريات بعيوننا، ولسنا عمياناً. وأظن (وبعض الظن إثم) أنهم يريدون ان يلعبوا معنا دور مشرف المعهد الذي تكلم عنه الكابتن( محمد لطيف) رحمه الله .

فشكرا لكل معلق رياضي يحترم ذكاء المشاهد وعشقه للكرة، ولا نملك إلا أن نقول لباقي المعلقين الذين يفسدون علينا متعتنا الكروية ( رفقاً بنا سامحكم الله).

عن admin1

شاهد أيضاً

وجوه وحكايات —– بدر الدين الإدريسي… حارس الذاكرة الرياضية وصوت المهنة

  بقلم: الإعلامي والسيناريست “أحمد بوعروة” كيف يستطيع رجلٌ أن يظل وفيًّا للمهنة، في زمنٍ …