ستوكهولم – ملكون ملكون
يورو 24 لم يرتقِ لمستوى التوقعات والطموحات من حيث المستوى، فجاءت هذه النسخة خجولة فنياً وهجومياً، ومُفرطة في التحفظ التكتيكي والدفاعي، فانحسرت المتعة الكروية لمصلحة براغماتية كروية مارسها المدربون بحثاً عن النتائج، لتبقى المتعة الكروية حبيسة في بطولة كروية أخرى كبيرة.
ملل كروي
يتفق المراقبون على ان البطولة كانت فقيرة من الناحية الفنية، وطغى على اغلب مبارياتها طابع الملل، حيث جاءت عروض المنتخبات الكبيرة مخيبة للآمال باستثناء اسبانيا التي قدمت اداءاً ممتعاً.
ولعل وجود شابين مهاريين في تشكيلة المنتخب الاسباني (لامين يامال ونيكو ويليامز) ساهم الى حد كبير في ابراز الجانب الفني والمهاري لدى الاسبان، فاللاعبين الشابين يريدان ابراز موهبتهما في بطولة كبيرة يحدوهما طموح ورغبة لوضع بصمتهما على ذاكرة البطولة، وبالطبع الطريقة التي تلعب بها اسبانيا وانفتاح مدربها دي لافوينتي على الكرة الهجومية جعلهما يمتلكان فضاءات رحبة لتحقيق ذلك.
النجوم خارج السياق
لو ألقينا نظرة على ما حققه النجوم الكبار الكبار والاسماء اللامعة في البطولة فاننا سنفاجىء بانهم كانوا خارج سياق التألق، ولم يقدموا المأمول والمتوقع منهم، فكان أغلبهم عالة على فرقهم، لعبوا بحذر وتعالي وظهر واضحاً أن الولاء والانتماء لقمصان المنتخبات بات من الماضي.
المنتخب الفرنسي قدم اداءاً باهتاً ولم يرتقِ لمستوى الاسماء الكبيرة التي تضمها تشكيلته، وفي مقدمتهم كيليان مبابي. لكن البعض يبرر ذلك للفرنسيين ولباقي النجوم في المنتخبات الاخرى بداعي الإرهاق الذي أصاب اللاعبين بعد موسم حافل بالمباريات، لكن في الحقيقة كان الحافز شبه غائب لدى النجوم، وهذا انعكس سلباً على جمالية المباريات لذا تقلص عدد المباريات الجميلة والممتعة كثيراً في البطولة.
الصغار يتألقون
في المقابل استطاعت المنتخبات “الصغيرة” أن تقدم مستويات رائعة أحرجت فيها الكبار وكادت أن تخرجهم من البطولة، كمنتخبات البانيا وجورجيا وتركيا وسويسرا وسلوفاكيا وسلوفينيا، وربما يعود ذلك الى أن هذه المنتخبات تخوض البطولة بحافز كبير بعيداً عن أمراض النجومية المتورمة لدى المنتخبات “الكبيرة”، إضافة إلى أن العبء البدني خلال الموسم كان أخف عليها.
الأسرع .. الأقوى
سبق للمدرب الايطالي “ماسيمليانو اليغري” أن قال : “الباحثون عن المتعة يجب ان يذهبوا إلى السيرك… كرة القدم هي شيء آخر الآن”، نعم .. اللاعبون الأكثر قوة وسرعة هم القادرين الان على تقديم مستويات عالية، وإن كان ذلك يترافق مع موهبة كروية أقل، فمن الصعب الآن أن تجد لاعباً يمتلك المهارة الكروية والسرعة والقوة في آنٍ واحد، وربما يكون البرتغالي رونالدو في سابق أيامه هو أخر النجوم الذين يمتلكون الميزتين، وفي يورو 2024 لم نجد لاعباً بهذه المواصفات بل طغى الجانب البدني على المباريات.
الكرة تغير جلدها
قبل 20 عاماً، احتضنت البرتغال نسخة إستثنائية من أقوى البطولات في القارة العجوز، بمشاركة 16 منتخباً، برزت آنذاك خطة 4-2-3-1، واعتمد عليها معظم مدربو المنتخبات المشاركة، ماعدا منتخب فرنسا الذي فشل بخطة 4-4-2، وسار على نفس نهجه المنتخب الإيطالي الذي مرّ جانباً هو الآخر.
نسخة البرتغال عرفت مشاركة نجوم الصفوة: زيدان، فيغو، هنري، توتي، بيكهام، جيرارد، لامبارد، أوين، نيدفيد، فان نيستلروي، سيدورف، وغيرهم كُثر ! إضافة إلى بروز مجموعة شبان صنعوا التاريخ لفترة طويلة من الزمن: روبن، رونالدو، روني، باروش.
يورو 2004 شهد منافسة شديدة بين أباطرة كرة القدم، وشهدت أراضي البرتغال إحدى أجمل المباريات في تاريخ اللعبة بين هولندا وجمهورية التشيك في الدور الأول، أما لقاءات ربع النهائي والمربع الذهبي، فكانت قمة في الإثارة والمتعة و اللعب الجميل، خاصة لقاء البرتغال – إنجلترا في الدور ربع النهائي، وموقعة البرتغال – هولندا في لقاء نصف النهائي !
وبرزت أجنحة هجومية فتاكة، ولاعبون من أعلى مستوى في مركز قلب الهجوم في كل المنتخبات، عكس البطولة الحالية التي تجعل الانكليزي هاري كين يغرد وحيداً كاستثناء، مع موراتا بدرجة أقل، إضافة لوجود لاعب كـ هافرتز في مقدمة خط هجوم منتخب ألماني ينافس على اللقب ! في حين، عانت عدة منتخبات من غياب لاعبي الصف الأول في هذا المركز، على غرار إيطاليا وفرنسا. وأصبحت المباريات “تكتيكية” بمتطلبات بدنية رهيبة، مقابل فقر فني واضح !
الآزوري … خيبة وطنية؟!
عندما تعنوّن صحيفة توتو سبورت الايطالية صفحتها الرئيسية بعد خروج المنتخب الايطالي من البطولة بعنوان “خيبة وطنية”. فإننا ندرك تماماً أن كرة القدم تذهب لما هو أبعد من البعد الرياضي الى بعد سياسي ووطني، الكرة أصبحت ورقة أيضاً بيد السياسيين يلعبون بها كما يشاؤون، وتعبر في مكان ما عن حال البلد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
الآزوري عانى من فقر مرعب بالمواهب، فظهرت هذه النسخة من ايطاليا باهتة، ضعيفة، بلا خيال، فكان الخروج أمام سويسرا مستحقاً ومدوياً على المدرب سباليتي ولاعبيه.
تَخبطَ المدرب في البطولة، فشهدنا في كل مباراة تشكيلة جديدة وتغييرات عديدة. حتى طريقة اللعب نفسها، تبدأ برباعي الخلف في أول مباراتين، ثم تتحول لثلاثي الدفاع ضد كرواتيا، وتعود من جديد للتكتيك القديم ضد سويسرا، كل هذه الأمور أربكت اللاعبين وجعلت الفريق بلا هوية واضحة داخل الملعب.
بالتأكيد هذا المنتخب لا يضم اسماءاً مثل السابق، ويعاني من فقر كبير بالمواهب الفردية، لكن بالمقابل شبه غياب تكتيكي للمدرب سباليتي الذي كان يقف حائراً وفريقه يعاني على أرض الملعب، لذا يمكننا القول أنه يتحمل المسؤولية الأكبر بعناده في الخطة والتشكيلة، فلعب بطريقة غريبة الى حد كبير عن تركيبة اللاعب الايطالي الكروية، خصوصاً في الشق الدفاعي فانكشف ظهر الازوري وبدا دفاعه واهنا وهشاً على غير العادة، ووسطه بلا خيال وهجومه متخبط وغير مستقر.
الشباب قبل الخبرة أحياناً
هكذا كتبنا مع انطلاق البطولة وتوقعناها بطولة للمواهب الشابة التي تبحث عن مكان لها وسط زحمة النجوم الكبار المشاركين، وبالفعل قال الشباب كلمتهم في البطولة وكانوا خبراً ساراً في البطولة (لامين يمال/ جمال موسيالا/ نيكو ويليامز/ فلوريان فيرتز/ كونسيساو/ آردا غولر/بارت فيربرخين/ كاليفوري/ وآخرون).
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة