ضياع الفئات العمرية بكرة السلة السورية..  بين قصور المسابقات المحلية وتردد المنتخبات الوطنية..

 

دمشق – مالك حمود

فيما تعيش كرة السلة السورية واحدة من أغرب أحقابها التاريخية، تبدو الفئات العمرية الأقل حظا في هذه الحقبة، بما تعيشه من تعامل سطحي مع مختلف محاورها الأساسية بدءا من المسابقات المحلية، وصولا الى المنتخبات الوطنية، في الوقت الذي تعتبر فيه الفئات العمرية هي الأساسات التي تبنى عليها اللعبة، وبقدر ما يكون الأساس قويا ومتينا ومدروسا يكون البناء مدعما وسليما وشامخا بأكبر عدد ممكن من الطوابق، في معادلة ينطبق عليها المثل القائل:

(يللي بتحطه بالقدر.. بيطلعلك بالمغرفة) وما تزرعه اليوم ستحصده غدا، وبقدر ما تكون تربته خصبه ومروية، يكون النتاج أكبر وأوفر، وثماره أغنى وأطيب.

مسابقات محدودة..

الطريقة التي تعامل فيها الاتحاد الحالي للعبة مع مسابقات الفئات العمرية كانت من أهم الخطوات اللا تطويرية للفئات العمرية من خلال المحافظة على النمط الذي فرضته سنوات الحرب، وما أفرزته من نظام مسابقات راهن هدفه مجرد الحفاظ على اللعبة من الانهيار مع صعوبة تنقل الفرق بين المحافظات خلال مرحلة معينة، لكن ومع انتهاء الحرب وعودة الأحوال الى ما كانت عليه كان الأجدر العودة بمسابقات الفئات العمرية الى نظام الدوري الكامل، خصوصا بعد انحسار اللعبة الى أقل عدد من الأندية بتاريخها، في الوقت الذي تم التمسك فيه بالنظام الجغرافي لهذه المسابقات، بما يخلفه من أقل عدد ممكن من المباريات، وما تتضمنه من مواجهات سلبية نظرا لتفاوت مستواها الفني والرقمي، فمن أين يأتي تطور اللعبة واللاعبين ضمن ذلك العدد الضئيل من المباريات، فيما تبدوا الحاجة الماسة لخوض مباريات رسمية تعود بالفائدة أكثر من التدريبات والتمارين.

وحتى دوري فئة (تحت 21 سنة) المستحدث في الموسم الأخير لم يحقق الفائدة المرجوة مع حصره بأندية الدرجة الأولى فقط وضغطه زمنيا في بعض المراحل الحاسمة…!

للرجال فقط..

اذا كان كل ذلك يحدث بحجة عدم توفر المال لدى الأندية، فان المفارقة كانت تظهر مع استعداد الأندية لدفع المليارات على دوري الرجال وتعاقداتها مع اللاعبين المحليين واستقدام لاعبين ومدربين أجانب، وبذات الوقت تبدي عجزها عن دفع أجزاء بسيطة من تلك المبالغ للصرف على فرق فئاتها العمرية ومشاركتها في مسابقات محلية رسمية بما توفره من عدد واسع من المباريات القوية والمفيدة والكفيلة بتطوير المواهب الواعدة، لتأخذ الأمور من أقصر المسافات وبأقل التكاليف بعيدا عن الفكر الاستراتيجي الذي يضمن بناء قويا للعبة ولاعبيها، والمصيبة الكبرى بتوجه عدد من الأندية الكبيرة نحو ضم لاعبين جاهزين من الأندية الأخرى بدلا من العمل على تخريج لاعبين من أبناء النادي، علما أن أبناء النادي بالأساس هم الذين أوصلوا النادي الى الواجهة وصعدوا به الى منصات التتويج على مر السنين، مع الاشارة الى أن تراجع اهتمام هذه الأندية بمواهبها الواعدة تزامن مع التخلي عن الدوري المرتبط حيث كان يفرض على أندية الدرجة الأولى زيادة الاهتمام بفئاتها العمرية نظرا لضم نقاطها في الدوري الى نقاط فريق الرجال وبمجموع نقاطي الرجال والشباب تكون حسابات الهبوط للدرجة الثانية، أو تحديد بطل المجموع العام.

 منتخبات وتناقضات..

المنتخب القوي هو نتاج للدوري القوي، ومادامت المسابقات المحلية محدودة فقد كان من الطبيعي أن نشاهد منتخبات متعثرة ضمن سلة الذكور على الأقل، وطالما أننا مازلنا غير قادرين على مجابهة منتخبي ايران ولبنان على مستوى غرب اسيا، فذلك مؤشر صريح على مراوحتنا في مكاننا، وهذا مرده الى قلة المواهب والخامات الواعدة المشبعة بمهارات كرة السلة وفكرها، ويضاف الى ذلك ضعف الاهتمام الداخلي للأندية بمدربي فئاتها العمرية، وعندما تغيب الكفاءة لدى مدرب هذه الفئات، تغيب المواهب، وان ظهرت فسوف تكون غير مكتملة ومنقوصة.

وتكتمل معادلة الإخفاق على صعيد مدربي الفئات العمرية مع قلة عدد الدورات التأهيلية والتطويرية النوعية المقدمة من اتحاد اللعبة، ناهيك عن غياب عاملي التشجيع والتحفيز لاسيما بضبابية إنتقاء مدربي المنتخبات الوطنية. حيث تدور جدلية الخيارات مابين المدرب المحلي والأجنبي. ومابين المدرب الَمحلي الخبير والمدرب الشاب. والأهم َمن هذا كله الغايات القريبة والبعيدة لاختيار المدرب، وآخر فصول هذه الحكاية ظهرت مع منتخب الشباب (تحت 18 سنة) فقد كان الأجدر تكليف مدرب خبير ومخضرَم سواء كان أجنبي او وطني ودعوة إثنين من المدربين الشبان الطاََمحين والمميزين للعمل ََمعه كمدربين مساعديَن، بدلا من تكليف مدرب في مقتبل العمر، ويفتقد لخبرة تدريب المنتخبات، ليدخل بعدها في دوامة إنتقاء اللاعبين وما تلاها من فصول مؤسفة تعبرعن حالة ضياع وتخبط.

القرار اللاحق بضم لاعب من فريق الأهلي بطل الفئة التي يختص بها المنتخب والذي جاء بعد الاعتراض والامتعاض الأهلاوي على عدم وجود أي لاعب من الأهلي ضمن قائمة اللاعبين العشرين المدعوة لمعسكر دمشق، يعني تراجع الاتحاد ومدرب المنتخب عن موقفهم وكلامهم.

واذا كانت دعوة اللاعب زكريا عكو بقرار من مدرب المنتخب فذلك يعني خلل في رؤية المدرب وعدم الثبات على رأي.

واذا كانت الدعوة من اتحاد اللعبة لامتصاص الغضب الأهلاوي فذلك يعني تدخل الاتحاد في الشؤون الفنية وتحديد لاعبي المنتخب.

وكلا الاحتمالين خطأ جديد يسجل في صحيفة اتحاد اللعبة الذي كثرت أخطاؤه والتي تزامنت أيضا مع اعتذار منتخب الشابات عن بطولة اسيا بداعي عدم توفر المال الكافي لتغطية تكاليف بعثة المنتخب المثقلة بالاداريين، وخسارة فنية ومالية لسلتنا التي ضاعت عليها المشاركة وخوض مباريات هامة ومفيدة، وبالمقابل فالاعتذار غير المبرر عن البطولة رغم تثبيت مشاركتنا فيها سيكلفنا غرامة مالية ليست بقليلة ونحن بغنى عنها..!

   تعديل المسابقات

  • محمد الطرن (مدرب كرة سلة):

نظام المسابقات كان سيئ جدا لأنه لم يوفر عدد المباريات والإحتكاك المطلوب للاعبين بسبب كثرة التعديلات، وعلى سبيل المثال حصر دوري (تحت 21 سنة) للذكور بأندية الدرجة الأولى فقط، فماهو المانع من مشاركة بقية الأندية كي لا يلحق الظلم بها وبلاعبيها، وعلى سبيل المثال نادي الطليعة لم يكن بمقدوره المشاركة بدوري الدرجة الأولى وإستقدام أجانب، لكنه بذات الوقت يمتلك مجموعة شابة كانت تحلم وتنتظر المشاركة بهذا الدوري الذي لم يكن برنامج مبارياته موفقا أيضا.

أما دوري (تحت 18 سنة) فقد خضنا فيه العديد المباريات عديمة الفائدة ذات الفروقات الفنية والرقمية العالية، وعندما نتأهل إلى الأدوار النهائية حيث المواجهات القوية تنتهي الأمور بمباراتين فقط.!

يجب زيادة الإحتكاك في المواجهات التنافسية القوية، والتنويع في آليتها ومواجهاتها، وإلا هل يعقل أن نلعب مع فريق الوثبة 6 مباريات خلال الدوري الأخير.!

أما دوري (تحت 14 وتحت 16 سنة) فللأسف ليس هناك دوري فعلي وإنما دورة تنشيطية بين أندية المحافظة الواحدة، وما تحققه من إحتكاك محدود بين الأندية، علما أن العمل يجب أن يكون كبيرا على هاتين الفئتين بالذات باعتبارهما من المراحل التأسيسية، مع الأخذ بعين الإعتبار ضرورة الإبتعاد عن إمتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية ومراحلها التحضيرية.

أما بخصوص الأكاديميات فهي بلا شك حالة إيجابية تساهم في زيادة إنتشار اللعبة وتنشيطها، ورفد الأندية باللاعبين، ووجود عدة أكاديميات في محافظة حماة يفيد اللعبة كثيرا بدل من إقتصارها على ناديي الطليعة والنواعير، ولذلك يجدر مساعدة هذه الأندية ببعض تجهيزات التدريب كالكرات والأقماع وغيرها..

  المنتخبات مرآة المسابقات

  • إبراهيم حلبي (مدرب كرة سلة):

للأسف مازالت فكرة الأكاديميات مقترنة بالهدف المادي أكثر من الهدف الفني، والمشكلة تبدأ من ترخيص الأكاديمية الذي يمنح لأي كان دون معايير وشروط أو قواعد، وأقلها أن يكون الترخيص لمدرب معتمد أو لاعب منتخب وطني، أو من يمتلك القواعد الرئيسية لتدريب الأطفال، علما أن عدد كبير من الأطفال غير قادرين على دفع رسوم الأكاديميات مما يحرم اللعبة من الكثير من المواهب، باعتبار أن معظم اللاعبين الموهوبين والخامات الجسمانية السلوية المميزة هم من الطبقة الفقيرة، فيما نجد فقر في تلك الخامات بالفئات العمرية للأندية.

أما مسابقات الفئات العمرية فهي تعاني من الدوري المختصر المقام بطريقة التجمعات الجغرافية، فهي غير ملبية خصوصا أن بعض الفرق تقتصر مشاركتها على عدد قليل جدا من المباريات وهل تكفي 7 – 8 مباريات لفريق خلال موسم كامل.؟! بالمقابل فالفريق التي تتأهل إلى النهائيات فهي تلعب بحدود العشرين مباراة وبالطبع فذلك أيضا عدد غير كافي لتطوير لاعبي الفئات العمرية، فيما يجدر أن يلعب لاعب الفئات العمرية مابين 60 – 70 مباراة خلال الموسم كي يتطور ويمتلك الخبرة الكافية، ومحصلة ذلك نراها في فرق الرجال مع لاعبين غير متكاملين، ويؤثر أيضا على منتخباتنا الوطنيية، ومشاركة منتخبنا للشباب (تحت 18 سنة) في بطولة غرب آسيا سوف تكشف الفوارق الفنية بين لاعبينا ولاعبي بقية المنتخبات، بسبب الخبرة التي تميز لاعبي المنتخبات عن لاعبينا بسبب نظام دوريها الطويل والفعال، والمشكلة الحقيقية في سوء الوضع المادي للأندية وعدم مقدرتها الصرف على مشاركة فئاتها العمرية بدوري طويل ومنتظم.

أعود للتأكيد على ضرورة وجود قواعد أساسية لتراخيص الأكاديميات، ووضع أسلوب عمل موحد لها، مع البحث عن الخامات البدنية المميزة والطويلة للعبة، وتطوير نظام الدوري وتوفير أكبر عدد من المباريات الكفيلة بإكساب اللاعبين الخبرة والتطور لمواكبة دول الجوار على الأقل.

عندما بلغنا المونديال

  • فادي الملا (مدرب كرة سلة):

بالنسبة لدوري (تحت 21 سنة) لا يعتبر ضمن الفئات العمرية، ولكنه كان مقبولا ومنتظما وحقق من خلال مرحلتي الذهاب والإياب عدد معقول من المباريات الإحتكاكية للاعبين، على إعتبار أن المباراة أهم بكثير من التمارين، أما دوري (تحت 18 سنة) فمازالت مشكلته في حصر التنافس ضمن المحافظة الواحدة لتختفي الفائدة فيه مع قلة عدد المباريات وتفاوت مستواها الفني، فالتنافس ضمن التجمعات لا يفيد ولا يلبي حاجة اللاعبين من المباريات والإحتكاك، ومن غير المعقول أن يتدرب اللاعب مابين 7 – 8 أشهر من أجل دوري قد ينقضي بشهر أو شهرين على الأكثر.!

ولا ننسى أن نظام الدوري الكامل للفئات العمرية الذي كان معتمدا في السابق حقق فوائد كبيرة مع العدد الكبير من المباريات التي كانت تخوضها الفرق داخل محافظتها وخارجها خلال مرحتلي الذهاب والإياب والفاينال فور لكل من فئات الشباب والناشئين والأشبال، وهذا ما أثمر عن تأهل سلتنا إلى كأس العالم.

ولنتحدث عن إلغاء دوري (تحت 16 سنة) رغم أهمية هذه الفئة، بعدما كان مخصصا لها مسابقتين (دوري – كأس إتحاد) وللأسف تحولت مسابقاتها إلى بطولة مناظقية محدودة، في خطوة لم تكن لمصلحة اللعبة.

أما بخصوص الأكاديميات الخاصة بكرة السلة فما زالت جدواها الفنية محدودة وهدفها المادي يطغى على هدفها الفني، وقليلا ماشاهدنا مواهب من الأكاديميات تصل إلى مراحل متقدمة في الأندية، وإن ظهرت الموهبة فالأكاديمية تتمسك به.

وبخصوص منتخبات الفئات العمرية فمازالت العديد من إشارات الإستفهام تدور حول كيفية ومعايير إنتقاء مدرب المنتخب، فهناك العديد من المدربين الشبان والطامحين ممن دربوا لسنوات وحاصلين على بطولات ولهم خبرتهم في تدريب الفئات، وأيضا بالنسبة لإنتقاء اللاعبين وبناء المنتخب يفترض أن يتم حسب إمكانات لاعبينا وقدراتهم والبحث في أساليب اللعب التي تتناسب معهم، مع التأكيد على إعطاء الثقة والفرص للمدرب الوطني لما يملكه من علم وفكر وكفاءة وخبرة واجتهاد.

  إستثمار الصيف

  • نبيل حمام (مدرب كرة سلة):

وجود الفئات العمرية بتصنيفاتها تحت (12 – 14 – 16 – 18 – 21) سنة، نظريا شيء جميل ولكن على أرض الواقع تفتقد للفعالية المطلوبة خصوصا تحت (12 – 14 – 16) مع عدم توفر الإحتكاكات الجيدة للاعبيها خلال العام، فمن السلبي أن يتمرن اللاعب ما بين 5 – 7 شهور سنويا كي يلعب بحدود 5 مباريات خلال الموسم، فيما يجب أن تتوفر لفئة (تحت 12 سنة) بالذات عدد أكبر بكثير على مدار العام من خلال البطولات والمهرجانات وإستثمار شهور الصيف أو بالعطلة المدرسية الإنتصافية، فالمباراة ضرورية للاعب والمدرب أيضا للتعرف على الإمكانات التفصيلية للاعبيه. علما أن هكذا مسابقات ومهرجانات تقام لدينا حاليا ولكن على نطاق محدود وضمن محافظات معينة وأبرزها حلب التي تنوع في مسابقات فئاتها، ولكن أين العمل على مستوى بقية المحافظات من مسابقات ومهرجانات الهدف فيها ليس البطولة والبطل، وإنما الهدف أداء اللاعب وتطويره، وما ينطبق على فئة (تحت 12 سنة) ينطبق على فئة (تحت 14 سنة).

أما فئة (تحت 16 سنة) فهي بحاجة لدوري كامل (ذهاب وإياب وفاينال) وتحديد البطل، لتوفير أكبر عدد ممكن من الإحتكاك للاعبين من مختلف المحافظات، ولا مانع من إقامة مسابقة صيفية لهذه الفئة ولو على مستوى المحافظة. فيما يجدر التعامل مع فئة (تحت 18 سنة) كمسابقة مماثلة لدوري الرجال، وكذلك فئة (تحت 21 سنة) وهي فئة مستحدثة وتبدو انجح من فكرة (تحت 23 سنة) لأنها تعطي فرصة مضاعفة للمواهب المتميزة والمجتهدة للمشاركة في فئتي تحت (18 و21) سنة، وربما شارك مع فئة الرجال أيضا.

وبالنسبة للأكاديميات فإن وجودها إيجابي لزيادة عدد لاعبي كرة السلة وتأهيل وتطوير اللاعبين بشكل جيد وتخريج لاعبين على مستوى عال، وبذات الوقت فإن تطوير الفئات العمرية مرهون بتطوير مدربيها وتعزيز قدرتهم على تدريب وتطوير هؤلاء الصغار من خلال منهجية تدريبية موحدة.

وهذا الكلام بحاجة للعمل الجاد والمدروس ونتائجه سوف تظهر بعد سنوات.

عن admin1

شاهد أيضاً

رئيس الاتحاد الآسيوي يؤكد مواصلة دعم الاتحاد السوري لكرة القدم

  فانكوفر – خاص عقد معالي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، رئيس الاتحاد الآسيوي …