بسام جميدة
يبدو التمويل الرياضي للأندية وكرة القدم بالخصوص من أكثر القضايا الرياضية في سوريا تشعباً، فمنذ أن بزغت شمس الرياضة بوجهها الجديد قبل حوالي أربعة عقود من الزمن كان عنوانها العريض أن تكون بالشكل الاشتراكي كما في الدول الصديقة التي كنا نتشارك أياها جمالية المشهد الرياضي ونرقبهم وهم يتفوقون فقط، لذلك وضمن هذا النمط الرياضي كان التعويل كبيرا على أن تكون الدولة هي السند الحقيقي للرياضة بشكل عام كون الاتحاد الرياضي ومن تحت مظلته من اتحاد عبارة عن منظمة كباقي المنظمات الشعبية، ولذلك لم تكن هناك رياضة نوعية بالمعنى الحقيقي “وهذا ليس بحثنا”، ومايهمنا أن التمويل كان يأتي عبر الموازنة العامة للدولة التي تصدر سنوياً ومنها تعتاش الأندية بكل ما تضمه من العاب تكاد تصل إلى عشرين لعبة.
موارد بائسة
ولأن كرة القدم كانت تلتهم الأخضر واليابس مما يأتي من مال، فقد كان تعهيد المباريات وارداً معقولا يغطي بعض نفقات كرة القدم، كون اللعبة جماهيرية واستيعاب الملاعب لابأس به، ولكنه كان باباً مشرعاً للفساد كما باقي الأمور المالية التي تكون بلا ضوابط.
كما أن الرعايات التي تأتي للأندية من بعض الشركات تكون بطريقة المحاباة ولمن يملك أكثر شبكة معارف واتصالات، وكانت المبالغ قليلة، ولعل أكثرها ماكان يأتي عبر إحدى شركات الاتصالات حينذاك، ومن ثم تنامى موضوع الرعاية فدخلت شركات تجارية أخرى، وكانت تسد بإيراداتها إضافة لريوع المباريات بعض من الاحتياجات التي توزع على اللاعبين كرواتب حينذاك.
غياب المتاجر في الأندية حتى يومنا هذا يدفع البعض لاستغلال أسم وشعار وتذكارات وقمصان النادي لمصالحهم الشخصية، ويتم حرمان النادي من هذا الريع الذي يمكن أن يكون معقولا لو تم تنظيمه بشكل جيد.

المعضلة الكبرى
موضوع الاستثمارات في الأندية التي تملك مطارح إستثمارية من الممكن أن تدر المال الكثير وتفيض على باقي الألعاب، بل وتقدم لخزينة الدولة الكثير، ناقشناه طويلا وكثيرا ومنذ سنوات مضت لكي يتم تفعيله بما يضمن حياة كريمة للرياضة ولكرة القدم، ولكن للأسف يبقى هذا الملف من المحرمات التي يمنع الاقتراب منها، ويبقى في قبضة الاتحاد الرياضي، بل وفي دائر ضيقة فيه، مما يثير الكثير من علامات الاستفهام.
فليس معقولا أن يكون ناد مثل الوحدة أو المجد اللذان يقبعان وسط العاصمة ويملكان مواقع مهمة جدا وتستثمر “بتراب المصاري” ومقصف نادي المجد وسط الصالحية يمكن أن يسد احتياجات فريق كرة القدم ناهيك عن المحلات والملاعب والمسبح والمقصف وغيره الكثير.
كما أن نادي الوحدة لديه صالات كبيرة ومطعم ومسبح وملاعب وأرض كبيرة مهملة، ويقع في إحدى أغلى المناطق الدمشقية ونجد إدارته منذ أيام تستجدي بكتاب للمنظمة كي تستدين المال من الداعمين في الإدارة ذاتها.
وهناك أمثلة كثيرة من أندية حلب وحمص وحماة واللاذقية ودير الزور وكلها تملك منشآت فيها مطارح كثيرة لكي تكون مصدرا للمال، ولكن منح هذه الاستثمارات وبعقود إذعان ولسنوات طوال وتكاد تصبح مملوكة للمستثمر ولايستفيد النادي إلا الفتات ما يجعل الرياضة وكرة القدم تئن تحت وطأة الديون، فيما تبقى هيمنة الاتحاد الرياضي على هذا الملف الهام موضوع جدلي كونه هو المعني بتوقيع العقود عبر مكتبه المختص وإن جاءت تلك العقود عن طريق الأندية فهو موضوع شكلي ليس إلا وبالتوافق دائما؛ بينما تبقى هيئة الاستثمار المعنية في كل الاستثمارات الحكومية في الدولة “آخر من يعلم” ولا تتدخل وربما ليس لديها الصلاحية للتدخل أو تصحح العقود التي تمنح بأبخس الأثمان.
وما أدارك ما لداعمون
فيما مضى كان الداعمون يقدمون خدماتهم وهم خارج النادي مقابل منافع تكون ضمن باقة معينة من الخدمات بعضها يكون على شكل أصوات إنتخابية، وبعضها تلميع إجتماعي، وبعضها يكون على شكل “بروزة وبريستج” من شأنه أن يلقي عليه الضوء عبر ما تتمتع به كرة القدم أو السلة من جماهيرية.
رجال أعمال كثر مروا على الرياضة السورية أفادوا وأستفادوا، والقلة منهم دخل عراك العمل الإداري في الأندية، ولكن في العقدين الأخيرين اختلف شكل الدعم وطريقته، فالداعم يشترط أن يكون رئيس نادي أو عضو إدارة حسب الكتلة المالية التي سيقدمها، بعضهم لايعرف من الرياضة سوى شعبيتها وما ستؤول إليه من مكاسب، والبعض أكتشف أنها الوسيلة الأنجع لكي يبيض أوراقه وأعماله، ويعزز تواجده المجتمعي، وهنا قد نتفق أو نختلف مع البعض حول هذه الخاصية، ولكن أن يدخل الجميع كداعمين ويقدمون المال ويسترجعونه فورا فهذا غير مقبول، لأنه يسجلون مايعطون كديون على النادي ويخصمونها بطريقة أو بأخرى من ما يأتي من موارد، وبهذا يحرمون الكفاءات الإدارية من العمل بحجة أنهم داعمين ويتحكمون بالقرارات كلها، ومن الأجدى على الأقل أن يتم إيجاد صيغة معقولة يستثمرون بها النادي لسنوات بدل هذه العشوائية في الدعم.
غيض من فيض
طبعا هذا بعض مما يؤرق الرياضة السورية بسبب المال الذي تحتاجه كرة القدم والسلة بشكل خاص، وباقي الرياضات عموماً، ويبقى قصور التشريعات القانونية والمالية التي تنظم هذه العملية بشكل يعود بالفائدة للأندية ثغرة واضحة إضافة لعدم وجود تخطيط منهجي وطويل الأمد يجعل رياضتنا في مهب الريح، ويتقاذفها العوز ومزاجية الداعمين والإستقرار الغائب عنها، فلا الداعم يعرف هل سيبقى ومتى يرحل، وماهي حقوقه، ولا الأندية تعرف كيف تدير استثماراتها..!!
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة