القاهرة د. ياسر أيوب
لم يكن للتمويل دور أو للمال أي أهمية حين بدأت مصر تمارس الألعاب الحديثة في نهايات القرن التاسع عشر.. فالألعاب بدأت بتقسيم طبقي منح معظم الألعاب مثل التنس والإسكواش والفروسية والبولو وغيرها للأغنياء والوجهاء والباشوات الذين تعلموها من الضباط الإنجليز، واكتفى البسطاء والفقراء في المقابل بكرة القدم التي تعلموها من الجنود الإنجليز في معسكراتهم، ولم يكن الأغنياء يحتاجون لأى دعم مالي لمواصلة ألعابهم التي كانوا يمارسونها من باب الوجاهة وينفقون عليها من مالهم الخاص، ولم يكن الفقراء أيضا يحتاجون للمال لممارسة كرة القدم في الحوارى والأحياء الشعبية حيث كرة القدم لا تحتاج لأى أدوات وتجهيزات أو حتى ملاعب خاصة، وهكذا لم تكن الحكومة المصرية مطالبة بأي إنفاق على نشاط رياضي بدأت تعرفه وتعتاد عليه وتحبه الجماهير.
سبر تاريخي
وحين بدأت مصر تعرف الأندية وتحتاج إليها بعد نادي الجزيرة في القاهرة الذى كان أول ناد في مصر، توالت أندية مختلفة الأنشطة الرياضية معظمها في البداية كانت للجاليات الأجنبية وهى التي تتولى الإنفاق عليها، ثم كان أول تمويل لتأسيس ناد هو ما قامت به مصلحة سكك حديد مصر فى 1900، فقد اختارت المصلحة أرضا واسعة فى جزيرة بدران بشبرا لتبنى فوقها ورش صيانة القطارات التي باتت تعرف باسم ورش العنابر، وفى هذه الورش اعتاد الخبراء والمهندسين الإنجليز والأجانب لعب كرة القدم التي تعلمها منهم العمال المصريون، وحين زاد عدد هؤلاء لعمال عن الألفين قررت المصلحة في 1900 تأسيس ناد رياضي وبناء أول ملعب كرة في تاريخ مصر، وانتهى البناء وتم افتتاح نادى السكة الحديد في 22 مايو 1903، وأصبح هذا النادي بداية للإنفاق الحكومي المصري على الرياضة وأنديتها وأنشطتها، وبات السكة الحديد هو أول ناد مصري تنفق عليه وترعاه مصلحة حكومية
وبعد عامين فقط أسس شاب “اسكندراني” اسمه مخلص الباجوري في 1905 ناد لكرة القدم فقط بإسم النجمة الحمراء .. ولم يكن مخلص يملك إلا غرفة يقوم فيها لاعبو النادي الجديد بتبديل ثيابهم وارتداء ثياب اللعب والذهاب للتدريب أو اللعب فوق تلال الحضرة بمنطقة وابور المياة، وبعد فترة قامت مصلحة الجمارك برعاية هذا النادي وتغيير اسمه ليصبح نادى الموظفين ليصبح ثاني نادى تنفق عليه مصلحة حكومية، ورغم ذلك ظلت القاعدة العامة هي الأندية الخاصة التي لا تنفق عليها الحكومة أو أي هيئة؛ وبهذا المنطق تأسست أندية كثيرة أهمها الأهلي والزمالك والاتحاد السكندري والمصري .. وستبقى الأندية المصرية لفترة طويلة أندية خاصة دون أي دعم حكومي وتعتمد على اشتراكات أعضائها ومساعدات مالية من بعض المنتمين لأى ناد منها، وأيضا أندية حكومية أسستها شركات وهيئات غير أندية تابعة للجيش والشرطة، وهو ما يتضح من مراجعة قائمة الأندية التي أسست في عام 1921 أول اتحاد مصري لكرة القدم، فقد كانت هناك أندية خاصة مثل الأهلي والزمالك والاتحاد السكندرى .. وأندية حكومية وهيئات وشركات مثل السكة الحديد والترسانة وشركة الملابس ونادى المدارس الذى تنفق عليه وزارة المعارف، ونادى القسم الطبي بالجيش المصري.

إنفاق حكومي
وعلى الرغم من التزام الحكومة المصرية بالإنفاق على البعثات الأوليمبية المصرية منذ 1920 إلا أن هذا الإنفاق كان محدودا ومشروطا أيضا لدرجة أن جعفر ولى باشا هو الذى تحمل تكلفة سفر أول منتخب كروى مصري للمشاركة في دورة أنتيويرب الأوليمبية 1920، وظلت الحكومة تنفق على اللجنة الأوليمبية المصرية بينما استعانت أندية مثل الأهلي والزمالك برجال أعمال كبار تولوا الرئاسة وقاموا بالإنفاق على الناديين مثل أحمد عبود باشا في الأهلي وعبداللطيف أبو رجيلة فى الزمالك.
فترة التأميم ودخول رجال الأعمال
وبعد وقت طويل.. تغير واقع الرياضة المصرية مرتين بشكل جذري وفاصل.. المرة الأولى كانت بعد قيام ثورة يوليو 1952 حيث تم تأميم الرياضة في مصر ولم تعد هناك أي أندية رياضية خاصة إنما تتبع كلها الحكومة وتخضع لإشرافها .. وباتت الحكومة هي التي تنفق على كل الأندية دون أن يمنع ذلك من نجاح الأهلي والزمالك على سبيل المثال في التعاقد مع بعض الشركات للرعاية أو لتمويل بعض المناسبات الخاصة ومباريات الكرة الودية مع فرق أجنبية .. والمرة الثانية كانت حين أجبر المدرب الكبير الرحل محمود الجوهري اتحاد الكرة والحكومة أيضا على تطبيق الاحتراف الكروي بعد المشاركة المصرية المونديالية الثانية في إيطاليا 1990، وكان الاحتراف تجربة تم تطبيقها على عجل دون أي تخطيط وتمهيد ودراسة، وكان أحد نتائجها هو ضغوط مالية هائلة أجبرت الأندية على البحث عن أي مصادر للتمويل سواء عن طريق الرعاية أو إسهامات الأغنياء في كل ناد. وحين رفعت الحكومة يدها وأوقفت تمويل كرة القدم اضطرت أندية كثيرة لأن تمنح رئاستها لرجال أعمال أغنياء فكانت ظاهرة رجل الأعمال ورئيس النادي في نفس الوقت، وبدأ عصر الفوضى المالية في الكرة المصرية الذى لا يزال قائما حتى الآن، وأصبحت الكرة لعبة غير رابحة وتخسر حتى في أندية جماهيرية كبرى مثل الأهلي والزمالك، وظلت أسعار اللاعبين ترتفع عاما بعد آخر دون إيرادات تتزايد لملاحقة هذه الزيادة، ورغم تغيير قانون الرياضة المصري للسماح للأندية بأنشطة استثمارية إلا أن هذ النشاط تم تقليصه واختصاره في إقامة فروع لبعض هذه الأندية.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة