الدوري السوري.. أصل الاكتئاب والركض في السراب!

 

غانم محمد

 

هنا الدوري السوري (الممتاز)، هنا كلّ شيء متميّز ومختلف عن الآخرين، هنا التفرّد المستمر منذ عقد ونيّف من السنين!

هنا سوق عكاظ ببضاعة منتهية الصلاحية، وبمعلقات لا تضبطها قوافٍ ولا تعدلها موازين، ولا أحد يكترث لما يبيع الآخر!

رأفةً بنفسي، وبمن أحبّ، أحاول قدر الإمكان تجميل الألفاظ، وأن أعتبر أن أي كلمة تخصّ كرة القدم السورية تحمل نفس المعنى في السعودية والمغرب والعراق وقطر وإسبانيا وإنكلترا… إلخ!

مثلاً، وكمدخل ليس ضرورياً، كلمة (ملعب) تعني أنه مساحة خضراء جميلة، مزيّنة بخطوط بيضاء واضحة المعالم، وحولها مدرجات نظيفة بأرقام جلوس، ومرافق، وكل ما من شأنه توفير الراحة لمرتاديه، أما عندنا، وإذا ما أردت أن (تقضي حاجتك) بين الشوطين، فعليك أن تقطع مسافة كبيرة، وأن تتحمّل ما لا طاقة لك به من قرف و… وربما تجد الغرفتين المخصصتين لهذا ألأمر مقفلتين، لأن المسؤول عنهما لم يحضر!

كلمة (ملعب) تعني لدى الآخرين أن تركن سيارتك بهدوء غير آبه أن تتعرّض لأي أذى، أما عندنا، فإن وجدتَ موقفاً للسيارة، فقد تجد سيارتك مختلفة المعالم بعد خروجك من المباراة!

لن نجلد أنفسنا كثيراً، لكن أبسط شيء في كرة القدم أعيانا، وسيبقى معضلة بالنسبة لنا لسنوات قادمة، فهل لنا أن (نزجّ) أنفسنا بين الذي يتبارون في الألقاب وعليها، وهل يحقّ لنا أن نشتم الاتحاد الآسيوي لأنه لا يسمح لنا بالمشاركة في دوري أبطال آسيا، وهل نلوم الأشقاء لأنهم لا يفكرون أن يدعونا إلى مباريات ودية، وهل…

أكرر… هذا الأمر هو أبسط شيء في كرة القدم، هو أمر يمكن إنجازه بقرار وبمال، ولكن يبدو أننا لا نريد، فما بالك ببقية مكونات اللعبة!

فكر كروي.. موجع!

(إذا فلت منك وما قدرت تستخلص الكرة منه.. امسكه من قميصه، عرقله، المهم ألا يهرب منك)..

هذا الكلام سمعته مراراً من مدربين للاعبين عمرهم 12-15 سنة، وسمعتُ أيضاً: النقاط هي كلّ شيء في كرة القدم، المستوى يُنسى، والنتيجة تبقى!

وعلى الرغم من صحّة هذا الكلام، إلا أنه لا يصحّ في مرحلة البناء والتأسيس، وإن ذُكر فيجب العطف عليه أنه لا يصحّ إلا إذا كان آخر الحلول وليس كلّها..

أصبح أولادي يمازحوني بالقول: بإمكانك أن تنام كلّ يوم جمعة ساعتين في النهار، وأنا الذي أقول أني لا أجيد النوم نهاراً، في إشارة منهم إلى أنني (أذبل) وأنا أتفرج على مباراة في الدوري السوري.

بصراحة، وبنسبة تفوق الـ 80% مما أشاهده محلياً لا أشاهد فيه أي شيء من كرة القدم إلا بضعة أهداف تأتي هكذا… صدفة جميلة تذكرنا أننا في الدوري!

لا أحد جاهز للعمل الصحيح، لأنه لا أحد سيرحمك إن خسر فريقك، سواء أكنتَ لاعباً أم مدرباً، وبالتالي حاول أن تفعل أي شيء من أجل الفوز، والذي يضمن لك الاستمرار والحصول على المكافأة، خاصة وأن عقدك بالأشهر وليس بـ (السنوات)!

الكتابة بـ (السكين)… ونبش قبور!

إلى الواجهة، حيث يفترض أن تسمو الكلمة، وترتدي مصلحة كرة القدم السورية، وباستثناء أصوات قليلة ضاعت في الزحام، فإن (الإعلام الكروي) في سوريا انحدر بطريقة غريبة..

فبعد عقود من (الدور القيادي) للإعلام في كرة القدم السورية، أصبح هذا الإعلام مرهوناً لما يقبضه بعض (الناعقين) في محرابه، وأسيراً لأشخاص يريدون تلميع صورتهم، وامتطاء (الأكتاف) والتصفيق مهما كان الموقف والسبب!

إن اختلف (صاحب قلم) مع مدرب أو لاعب أو إداري أو رئيس نادٍ أو حتى مع زميل له، أشهرَ (سلاحه الأبيض)، و(نبشَ المطمور) دون أي رادع أخلاقي أو مهني، فهناك أجرٌ قد يتضاعف مع حجم الإساءة التي يقدمها هذا القلم لـ (العدو).

عذر أقبح من ذنب!

بعيداً عن اتحاد كرة القدم، فإن الاتحاد الرياضي العام في سوريا هو المسؤول عن إنشاء الملاعب وصيانتها، وهذا لا يحدث في الاتجاهين، والحجة دائماً هي ضعف الإمكانيات وقلّة الموارد!

هذا الكلام مردود على أهله، ومن يعرف خارطة المنشآت الرياضية في سوريا يستغرب كيف لا يكون الاتحاد الرياضي العام هو أغنى جهة اقتصادية في سوريا… عشرات المدن الرياضية المتكاملة، المترامية الأطراف، والأكثر استراتيجية من أي مكان آخر بالنسبة للموقع..

هذه المنشآت وبدل أن تدرّ المليارات تستنزف المليارات (وأحياناً على الورق فقط) لأننا لا نرى على أرض الواقع ما يعادل قيمة الصرفيات التي نسترق النظر إليها في بعض الأحيان!

لن أعود إلى ملفات فتحتها قبل سنوات طويلة، والنتيجة الوحيدة التي حصلت عليها هي الملاحقة القضائية، ولكن سأعبر بسؤال موجع: إذا كان كشك مساحته 1 متر مربع، يستثمره صاحبه بالملايين سنوياً، ماذا تدرّ مئات الهكتارات التي يمتلكها الاتحاد الرياضي؟

إذا كنّا لا نستطيع أن نجهّز (تواليت) في ملعب، أو إصلاح (حنفية) ألا نخجل من الحديث عن مشاريع لتطوير كرة القدم؟

للذكرى.. والعبرة

في 2001 على ما أعتقد، تلقيتُ دعوة من نادي الوحدة الإماراتي لزيارته، والاطلاع على تجربته في إنشاء المدارس الكروية…

كمٌّ كبير من الذكريات الحلوة والتفاصيل التي مازالت عالقة في وجداني، ولستُ هنا في صدد استرجاعها، ولكن إن أحرزت الكرة الإماراتية أندية ومنتخبات ألقاباً وإنجازات لن أرجعها إلى الأموال التي يمتلكها الأشقاء في الإمارات، وإنما إلى الكيفية التي يديرون بها هذه الأموال، وحسن توظيفها واستثمارها بالشكل الأمثل..

في سوريا، وبكل أسف، العناوين الكروية (كذبة)، وتفاصيل العمل مجرد (منشورات فيسبوكية)، والزمن هو أرخص شيء في المعادلة كلها، هذا إن وُجدت المعادلة…

منتخباتنا مشرّدة، ولا يوجد 1% من مقومات عودتها إلى ملاعبنا، وأنديتنا بعهدة أصحاب مزاج وتقلبات، ومشاريعنا بقيادة أناس يتعاملون مع كرة القدم على أنّها (لقيطة)!

أي (إنجاز) يأتي من هذا الرحم، سيكون (مسرطناً) ولن يكون قادراً على العيش كما الآخرين، وفجأة سيُحال إلى غرفة الإنعاش، ليتفاجأ أن (الطبيب المناوب) يعمل على (تكسي أجرة) وليس موجوداً!

أستثني هذا

وحتى لا أُتهم بـ (اللا مسؤولية) جوراً وظلماً، أستثني الجهود التي بُذلت في الفترة الأخيرة للاستفادة من لاعبين من أصول سورية في صفوف المنتخبات الوطنية، وهذا جيّد من وجهة نظري، ولكن لا أستطيع أن أصنّفه إلا تحت بند (الإجراءات)، أما العمل الصحيح والمثمر فيتطلب مشاريع واستراتيجيات وخططاً واضحة المعالم، وهذا ما نفتقده بكل تأكيد…

قد نتأهل إلى كأس العالم 2026، بعد أن كسرنا عقدة الدور الأول في كأس آسيا، وقد يصبح منتخبنا الأول الأعلى قيمة سوقية في آسيا، أو من بين الأعلى قيمة، وقد نفعل أشياء أخرى، لكن سنبقى متخلفين في كرة القدم، ما لم أتوجه كواحد من الجمهور إلى مقعدي الخاص (المرقّم) والذي لن أجد أحداً عليه، عندما أقرر أن أحضر مباراة بكرة القدم.

وأتمنى هذا

أتمنى أن نعترف بواقعنا، بكلّ تفاصيله، وأن نوسّع زاوية النظر إلى هذا الواقع، وأن نجلس حول طاولة لا يمكن أن نمدّ أيدينا أو أرجلنا من تحتها، ونتحاور بصوت مسموع: ما المشكلة، وما الحلّ!

أعود إلى (الواقع)، وإلى الدوري السوري الذي حسم الفتوة لقب بطولته، وبعد تقديم المباركة له، وبكل هدوء و(غيرية) نسأل: للمرة الثانية يتوّج الفتوة باللقب وهو يلعب خارج أرضه، بعيداً عن جمهوره، والعمود الفقري من لاعبيه من خارج السحنة الديرية العزيزة، فماذا لو تخلّى السيد مدلول العزيز عن دعمه فجأة، ولم يدفع تكاليف التعاقد مع لاعبين من نفس السوية التي أحرزت لقب الدوري، ألن يهبط الفتوة للدرجة الأولى؟

أي كرة قدم هذه التي تعتمد على شخص، وكيف لها أن تستمر مهما طال حضورها!

صحيح أن كرة القدم مبنية على (مال)، لكنه مال أندية وهيئات وإدارات تحكمها مجالس، وتخضع للرقابة المالية، وتستمر إن غادر الأشخاص، فلذلك لا تصحّ المقارنة، ولن تقودنا (التشابهات النظرية) إلى نفس النتائج.

لا أعرف على وجه التحديد تحت غطاء أي قانون يتمّ الصرف في كرة القدم السورية، ولا على أي أساس تُعامل، وأين اتحاد كرة القدم منها، وكل ما أعرفه هو أن ذلك لم ينتج كرة قدم حقيقية، ولم يستمر، ولن يستمر…

خلاصة القول

مازلنا نتهجّى كرة القدم السورية، وقد فقدنا بعد 2011 كلّ ما كنّا قد أسّسنا له قبل ذلك، ولن يتحقق التطور المنشود على عامل واحد فقط، فـ 100 لاعب كرة قدم مثل ميسي لا يصنعون لعبة.. قد يحققون حالة وحضوراً، ويزيّنون فترة، لكن إنتاج كرة قدم على أصولها، هو ما جعل اسم الأرجنتين مرشحاً لأي بطولة في كل الفئات، وهذا الأمر تمّ قبل ميسي، وسيستمر بعده، لأن المشروع الأرجنتيني كان من أجل كرة القدم، لا على أساس وجود مارادونا أو ميسي أو…

عود على بدء

أعتقد أن الدوري السوري لكرة القدم ليس أكثر من ضيف ثقيل الدم، لا يجيد الحديث، ولا يعرف أصول الزيارة، ولم يحمل معه (هدية مجاملة)، ولا يريد أن يغادر، وكل ما تقدّم في صلب هذا المقال، هو (سبب) في وصولنا إلى هذه القناعة، والتي نختلف في محرابها، لكننا لا ننفيها.

عن admin1

شاهد أيضاً

وجوه وحكايات —– بدر الدين الإدريسي… حارس الذاكرة الرياضية وصوت المهنة

  بقلم: الإعلامي والسيناريست “أحمد بوعروة” كيف يستطيع رجلٌ أن يظل وفيًّا للمهنة، في زمنٍ …