غانم محمد
لستُ راضياً بكل تأكيد عمّا يقدّمه منتخبنا الأول، بفوزه وبتعادله وبخسارته، وما زلتُ، كأحد أبناء الشغف، أحلم بمنتخبٍ ينتزع آه الإعجاب انتزاعاً، وألا أستطيع أن أشرب (المتّة) وأنا أتفرّج على مبارياته!
قسمٌ كبيرٌ من جمهورنا انتظر أن يرى منتخباً سورياً من وزن البرازيل أو الأرجنتين، مع أنّه حتى البرازيل والأرجنتين في بعض الأحيان يكونان أسوأ من منتخبنا (مجازاً)، ولستُ هنا بصدد الدفاع عن شيء ما، أو عن شخص ما، ولكن، وبكلّ الغيرية على كرة القدم السورية، وبكلّ الوجع الذي أذاقتنا إيّاه ثمّة (بحصة في حلقي) وعليَّ أن (أبقّها)!
90% من الذين يتحدثون عن المنتخب يضعون مصلحتهم، أو مصلحة بعض الأشخاص في المنتخب، أو أشخاص يهمّونهم خارج المنتخب، في المقام الأول، وبناء عليه يفترشون (فيسبوك) مقولات ومنشورات، تجعلنا نعدّ لـ (100) قبل أن نضغط على (المزيد)!
واقع الحال سيئ!
هذا أمرٌ لن نختلف عليه مع أحد، لا شيء في كرة القدم السورية يقترب من (المقبول) أو (الوسط)، حتى أن معظم الأفكار التي تُطرَح مريضة ومتخلّفة، وبالتالي لن يكون المولود (سليماً معافى) حتى لو كانت الولادة في أرقى المشافي!
حتى تفكّر بإنتاج (سلعة معيّنة) عليك أن تمتلك الحدّ الأدنى من مقومات المعرفة بها، وأدوات إنتاجها، والرغبة الصادقة بالإنتاج، وفي كرة القدم السورية كلّ هذا غير موجود، أو مغيّب عن قصد، وعن قصد أيضاً!
لنبدأ من ولادة اتحاداتنا الكروية، ولنسأل: هل تتمّ مراعاة مصلحة كرة القدم السورية عندما يكون القسم الأكبر ممن يحقّ لهم انتخاب هذا الاتحاد عالةً على الكرة السورية، وعندما يكون الاشتراط بين الناخب والمرشّح هو عدد ونوعية التكاليف والمهام اللاحقة، ورجاء، لا أحد يتحدّث عن (نزاهة أو نزيهة)، فنحن أيضاً أبناء هذا الواقع، ونعرف ماذا يجري فيه، وكيف يجري، وإلى أين سيؤدي!
إيصال أناس غير غيورين، أو محدودي الإمكانيات، أو ضيّقي الأفق، أو مختلفي الأهداف، إلى اتحاد كرة القدم هو أساس كلّ علاتنا الكروية، والذي يهيّئ الأرضية المناسبة لنمو كلّ ما هو ضار، وكلّ ما هو معطّل.
أتذكّر أنه ومنذ نحو عقدين من الزمن، وتعليقاً على أسماء الجمعية العمومية (الانتخابية) لاتحاد كرة القدم، قلت ما ملخصه: عندما يأتي اتحاد كروي لا يكون لـ عبد القادر كردغلي ورضوان الشيخ حسن ومروان مدراتي و… وغانم محمد وفايز وهبي وعلي شحادة و… أي قرار أو تأثير في انتخابه، فهو اتحاد (غير شرعي)، وغير قادر على الإقناع، وغير قادر على إنتاج كرة قدم حقيقية…
مع احترامي لكلّ من شارك في انتخابات الاتحاد الحالي، ولكل من ترشّح لرئاسته أو لعضويته، فإنّ ما حدث، وعلى ذمة أكثر من (عضو انتخابي)، يندى له الجبين، فهل كنّا نتوقّع أن يكون تطوير كرة القدم السورية هو أولى أولويات الواصلين إلى تحت قبّة الفيحاء، أم أن تسديد الديون الانتخابية هو ما فرض نفسه؟
لو نقرأ بعض تفاصيل (المشروع الوطني) لتطوير كرة القدم السورية، والأسماء الموجودة ضمن هذا المشروع، لأدركنا أنّ الجواب موجع جداً!
هذا الفأر من ذاك (الجبل)!
لو كنتُ أنا رئيس اتحاد كرة القدم، لما فعلتُ أفضل مما يفعله الاتحاد الحالي، لسبب بسيط هو أني لن أقدر على الوصول إلى اتحاد الكرة إلا بالطريقة التي وصل إليها (الحاليون)، وبالتالي لن أستطيع أن أتحرر من (التزاماتي) والنتيجة نفسها!
أقصد، إن لم يكن الأساس سليماً ومتيناً فلن يتحمّل البناء فوقه، وأساسنا الكروي هشّ، وسيكون من (الغرابة) أن نعيد بناء الأساسات في الوقت الذي تقترب فيه كرة القدم العالمية من تحولّها إلى (حرب نجوم)!
هذا هو الموجود..
وبناء على ما تقدّم، فإن المطلوب هو حسن إدارة ما هو موجود، وهنا مربط الفرس، وهنا اختلافنا وتلاقينا، ففي اتحاد كرة القدم يعتقدون أنهم أجادوا في إدارة ما هو متاح، وخارجه، هناك كثيرون يعتقدون أن من في اتحاد الكرة لا يجيد إدارة اللعبة في كلّ مفاصلها، فنشتم اتحاد الكرة ومن يدافع عنه أو يقول له (الله يعطيك العافية)، واتحاد الكرة يتأفف من الجمهور كيف يرضيه، وسيبقى الجدل دائراً، وسارقاً وقتنا الذي يجب أن يُكرّس للعمل الحقيقي..
مشكلة حقيقية
لا أعرف كل أعضاء اتحاد كرة القدم بشكل شخصي، ولكني أعرف السيد صلاح رمضان عن ظهر قلب، وأعرف أنّه رجل يتمنى أن يقدم كلّ ما يستطيع تقديمه من أجل كرة القدم السورية، لكن مشكلته أن قلبه وعقله يسبقان لسانه، ويتعجّل التصريح بأشياء ليس متأكداً من القدرة على إنجازها، أو السماح له بفعلها، فيتورّط ويورّطنا بـ (أحلام) لن يكون آخرها المشروع الوطني لتطوير كرة القدم، ولا رفع الحظر عن ملاعبنا، ولا (الميني فار)، و… إلخ.
هنا حفرنا وهنا طمرنا
نأتي على المنتخبات الوطنية بشكل خاص، ونقرأ أسماء كوادرها، وبعد مراجعة هادئة ومتأنية، ندرك لماذا فرحنا بفوز هناك لمنتخب السيدات، ولماذا قابلنا تأهلنا إلى دور الـ 16 في كأس آسيا الأخيرة بـ (العراضة الشامية)، ولماذا بعد شهرين ونيّف مازلنا نتحدث عن إبعاد لاعب عن المنتخب ووجود آخر فيه!
قبل كأس العالم 2022، وبخصوص صاحب الكرة الذهبية، وأحد أفضل مهاجمي العالم، كريم بنزيما، لم يدر مثل الجدل الذي دار بسبب عمر السومة مثلاً (أكثر شخص حزين على عدم وجود عمر السومة هو أنا)، ولكن حتى اللحظة ننظر إلى المنتخب على أنه لاعبون وليس منتخباً…
عودوا بالذاكرة قليلاً، وتذكّروا أنفسكم كم هاجمتم عمر السومة وعمر خريبين لدرجة وصلت إلى اتهامهما بـ (الخيانة).
ما أودّ قوله هنا، هو أننا كجمهور، وكإعلام، مسؤولون أيضاً على نوبات الفشل التي يتكرر حضورها، و(الحقن المهدئة) لن تجدي نفعاً، ولو يعود السومة، سنجد قصّة أخرى نتسلّى بها بغضّ النظر عن مضمونها أو صواب وصحة هذا المضمون.
كلّ ما تحمله ذاكرتنا الكروية هو لقب دورة المتوسط 1987، وكأس آسيا للشباب 1994، واقتراب من كأس العالم 1986.
السيد هيكتور كوبر، مدرب منتخبنا الحالي، إذا ما استطاع خلال سنة ونيّف من تولّي تدريب منتخبنا الأول أن يصل بنا إلى كأس العالم، بعد أن اجتاز دور المجموعات في كأس آسيا لأول مرة (وأدرك أن نظام كأس آسيا ونظام التأهل إلى كأس العالم قد تغيّر، وبات أكثر سهولة)، لكن إن فعل ذلك، هل سنبقى نطالب برحيله!؟
آن الوقت لنكون مع منتخبنا في كلّ استحقاق، ننتقد بلا تجريح، ونوصّف بلا (شخصنة)، وندلي بآرائنا بلا غايات شخصية، ونذهب بدورنا (التحفيزي) معه إلى الآخر، فحينها يحقّ لنا أن نقول ما نشاء.
وجهان لعملة كوبر السورية
استحقاقان حضرا مع نسور قاسيون بعهد كوبر، كأس آسيا وتصفيات كأس العالم الحالية، في كأس آسيا كان المنتخب مقنعاً إلى درجة كبيرة، وكان بإمكانه أن يذهب إلى ما هو أبعد من دور الـ 16، ولو فعل ذلك لقال بعضنا: إن منتخبات آسيا في حالة تراجع.
وفي تصفيات كأس العالم، ومن خلال ما أنجزه فيها حتى الآن، فإن أي فريق محلي بإمكانه أن يفعل ما فعله، وكان الحضور في (الحضيض)…
الحالتان مع المدرب كوبر، وبنفس اللاعبين، فأين المشكلة إذاً؟
منتخب الأردن، كان قاب قوسين أو أدنى من الفوز بكأس آسيا، وفي تصفيات كأس العالم، وفي أول 3 جولات، فاز مرة واحدة فقط…
منتخب فرنسا المدجج بالنجوم حتى على مقاعد الاحتياط خسر 0-2 أمام ألمانيا في فرنسا، ولم يقدم ذلك الأداء القوي..
منتخبات الجزائر والمغرب ومصر، لم تفعل أي شيء في كأس الأمم الإفريقية الأخيرة..
العبرة بـ (النتائج)
أتمنى أن يكون أكثرنا من الذين يعرفون الصبر ويمارسونه، والمنتخب في مرحلة تشكيل، ومن الطبيعي أن تحضر الفوضى بين الحين والآخر، واللاعبون القادمون إليه بالكاد حفظوا أسماء بعضهم بعضاً، ولن تُستكمل صورة المنتخب المنتظرة إلا بعد حين، وفي هذه الأثناء فإن المطلوب هو النتائج، ولذلك كان حزني من التعادل ذهاباً مع ميانمار لا من الأداء.
نحن الآن في تصفيات، وليس مطلوباً إلا تجاوزها بغضّ النظر عن الكيفية، وأواسي نفسي أن هذا الدور من التصفيات هو الذي سيعدّ منتخبنا للدور القادم، وهناك سيكون من حقّنا أن نسأل عن الجودة..
اعتذار شخصيّ
لستُ متناقضاً على الإطلاق، والانتقال من (السوداوية) إلى التفاؤل، هو تعايش مع الواقع.. مفرداته موجعة، ونحن في خضّمه (محكومون بالأمل)..
لا نستطيع تجاهل الواقع، ولا نقبل به، ونقود رياحنا في محاولة لتغييره، فنبدو وكأننا لا نعرف ماذا نريد..
نعرف ماذا نريد، لكننا نعرف أيضاً أن تحقيقه شبه مستحيل، لذلك نحاول أن نجد (تفاهماً) بين واقع مرير وحلم كبير.
هكذا نحن، نحتضن السيئ خوفاً من الأسوأ، ونستيقظ في منتصف الحلم، وننسى أننا استيقظنا!
1
أن نتمنى الخير لمنتخبنا ليس معناه أننا مسرورون فيما يقدمه، لنا ملاحظات مثلنا مثل غيرنا، لكننا نعرف كيف نضبط أنفسنا، وأن نترك كلّ كلمة إلى وقتها المناسب.
2
ما نقوله بحقّ هيكتور كوبر ليس إعجاباً (مطلقاً) بعمله، وما يقوله البعض يبدو وكأنه رفض مطلق، وهذه النقطة التي قد نختلف فيها وحولها، لا أكثر!
3
ما قد يعتبره البعض (سفسطة) نعتقد أنه من صلب دورنا كإعلام، شرط أن نعرف كيف نضعه في بوتقة المنتخب، ونجيّره في المصلحة العامة للكرة السورية.
4
من حقّ أي شخص أن يقول رأيه، ومن الطبيعي أن تختلف الآراء، لكن ليس من حقّ أي شخص أن يتسلّط على رأي الآخرين ويحاول مصادرته ولو بـ (السباب)!
5
اللاعبون الجدد الذين انضموا إلى منتخب سوريا ليسوا على درجة واحدة من الجودة، لكنهم قابلون للتطور، وأرى فيهم دعامة جيدة خاصة وأن أعمارهم تسمح بذلك.
6
المنتخب، حتى لو أحرز كأس العالم، لا يجوز أن يغيّب الملفات الكروية الأخرى، الملاعب، الحظر، منتخبات الفئات العمرية، الدوري، القرارات.. إلخ.
7
يجب أن يكون هناك مجلس أعلى لكرة القدم السورية، يُنتقى أعضاؤه بعناية فائقة من لاعبين ومدربين وإعلاميين.. تخضع قرارات اتحاد الكرة الخاصة بالمنتخبات إلى موافقته.
8
من حقّ أي لاعب يرتدي قميص منتخب سوريا أن يحظى بالدعم، ولا أعتقد أن لاعباً جاء من الأرجنتين إلى سوريا من أجل (5) آلاف دولار كمكافأة، فلنقدّر ذلك.
9
استمرار البحث عن لاعبين من أصول سورية مطلوب، شرط أن يكون ذلك بحرفية عالية، وأن تكون أعمار اللاعبين دون الـ 25 سنة من أجل الاستفادة منهم لوقت طويل.
10
لا أحد يحبّ الفشل، فلنساعد كل من يعمل على النجاح، فنحن من سينعم بهذا النجاح، ولو قبض البعض ثمنه المادي (البخس).. قولوا يا ربّ.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة