جمــال عبــد الـحميد
قصة إنسحاب مُنتخب الهند من المُشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم بـالبرازيل عام ١٩٥٠ واحدة من أشهر القصص، والحكايات في عالم الساحرة المستديرة، وذلك لأن الإنسحاب الهندي كان بسبب طريف وغريب يتعلق بإرتداء الأحذية أثناء المُباريات، حيث قيل أن المسئولين الهنود طلبوا من الإتحاد الدولي عدم إرتداء لاعبي مُنتخب بلادهم أحذية كرة القدم، والذين إعتادوا على اللعب حُفاة الأقدام، وبطبيعة الحال رفض الفيفا الطلب الهندي، وهذا ما تم تداوله وقتها، وهو ما ثبت عدم صحته فيما بعد، وكانت هناك أسباب أخرى لعدم خوض مُنتخب الهند مُنافسات المونديال، وكتب العديد من النُـقاد، والمؤرخين عن تلك الحكاية المُثيرة في مُناسبات مُتعددة دونما الخوض في تفاصيل مهمة جداً أبرزها، وأهمها، متى بدأ الهنود يّمارسون كرة القدم حُفاة القدمين بلا أحذية؟ ولماذا كان لاعبي الهند يُصرون على عدم إنتعال حذاء كروي في أقدامهم أثناء المُباريات؟
البداية مع أبو الكرة الهندية
أسس (ناجيندرا براساد) المعروف بلقب (أبو الكرة الهندية) نادي (شوبابازار) بمدينة كولكاتا عام 1885، والذي لعب دوراً كبيراً في شعبية كرة القدم بالهند، حيث أعطى لاعبي الفريق شكلاً جديداً، وفريداً للساحرة المُستديرة من خلال مُمارسة الكرة، ومُداعبتها بأصابع القدم، والجري، والحركة بحُرية تامة بأقدام عارية فضفاضة خالية من أحذية ربما كانت تعوق نشاط اللاعبين، وتحكمهم، وسيطرتهم على قطعة الجلد المدورة..
موهان باجان
مُعظم المصادر التاريخية، والمواقع الهندية المُتخصصة في لعبة كرة القدم تشير إلى أن نادي (موهان باجان) الهندي الذى تأسس عام 1888 كان لاعبوه يّمارسون الكرة حُفاة الاقدام بدون أحذية، ففي عام 1913 إستطاع هذا الفريق الفوز على (كتيبة إيست يوركشير) البريطانية بنتيجة 2-1 في نهائي درع الإتحاد الهندي، وهو الإنتصار الذي ربما ساهم في رفع شعبية كرة القدم داخل الهند، وخاض اللاعبين الهنود هذا اللقاء بأقدام عارية تمامًا بدون أحذية كروية، أو جوارب، أو حتى ضمادات واقية رغم أن مُنافسيهم كانوا ينتعلون أحذية إنجليزية الصنع.
المشاركة في الألعاب الأوليمبية
كانت أول مُشاركة رسمية دولية للمُنتخب الهندي في مُسابقة كرة القدم بـدورة الألعاب الأوليمبية 1948 بـلندن، وفيها فوجئ الجمهور المُحتشد لمُتابعة لقاء الهند، وفرنسا بـاللاعبين الهنود يدخلون أرض ملعب كريكيتفيلد بدون أحذية، فمن بين 11 لاعباً كان هناك ثمانية لاعبين حُفاة الأقدام، حيث ارتدى بعضهم جوارب سميكة مقطوعة من عند الكاحلين، ومنهم من لف قدميه بــ ضمادات واقية تحميهم من الإصابات، وأيضاً من أجل إحكام السيطرة على الكرة، بينما إنتعل ثلاثة لاعبين فقط أحذية، وفى المُباراة قدم أصحاب الأقدام العارية مُستوى أكثر من رائع أمام الديوك الفرنسية الذين تقدموا بهدف، ثم نجح (الحُفاة) في إحراز هدف التعادل قبل أن ينهي المُنتخب الفرنسي المُباراة بالفوز 1/2 وأضاع مُنتخب الهند ركلتي جزاء كانت كفيلة بخروجه فائزاً باللقاء.
لماذا لعب الهنود بأقدام عارية؟
كانت هزيمة منتخب الهند 1 – 10 أمام نظيره اليوغوسلافي في دورة الألعاب الأوليمبية بهلسنكي عام 1952، آخر عهد الهنود في خوض مُباريات الكرة بـأقدام عارية، حيث بات إنتعال الأحذية إلزامي في عالم كرة القدم الهندية، ولكن يبقى السؤال لماذا كان يلعب لاعبي الهند مُباريات الكرة بدون أحذية؟
تباينت الآراء، كما تضاربت الرّوايات، والحكايات بشأن إصرار لاعبي الكرة الهندية على خوض المُنافسات الكروية بِدون أحذية، حيث فسر البعض أن لعبة كرة القدم في الوسط الرياضي الهندي لم تكن تحتل مكانة، وشعبية كبيرة بين أبناء الهند الذين كانوا يفضلون الكريكيت، والهوكي على قطعة الجلد المُستديرة، ما يعني أن الهنود ربما كان معظمهم لا يهتمون بِاللوائح، والقوانين التي تُنظم مُسابقات الكرة.
وقال البعض الآخر أن الوضع الإجتماعي، والإقتصادي السيئ، والفقر المُدقع الذي عاشته معظم شرائح المُجتمع الهندى أبان الإحتلال البريطاني للبلاد كان دافعاً للاعبي كرة القدم إلى مُمارسة رياضتهم دون أن ينتعلوا أحذية الكرة مهما كان نوعها، بدعوى إنه نوع من الترف، والبذخ المُبالغ فيه، بينما يرى البعض إن إصرار الهنود على اللعب بدون أحذية تم إعتباره عمل وطني في جهادهم ضد المُحتل، والمُستعمر الإنحليزي، وثقافته في إرتداء الأحذية، حيث كان الجنود البريطانيون يلعبون كرة القدم مُنتعلين أحذية مصنوعة في بلادهم.
وهناك رأي آخر، مضمونه أن خوض اللاعبين الهنود المُباريات بأقدام عارية اللهم سوى من جوارب، أو ضمادات واقية في بعض الأوقات يعكس أحد الجوانب الروحانية التي تترجم حياة الزّهد، والتواضع، والتقشّف التي اتّصف بها المهاتما غاندي (١٨٦٩ – ١٩٤٨) السياسي البارز، والزعيم الروحي للشعب الهندي خلال حركة إستقلال الهند.
وتداول آخرين تفسير آخر، فقد أكدت الأخبار الصحفية التي تناولت زيارة أحد الفرق الهندية إلى جنوب أفريقيا في العام ١٩٣٤ على أن اللاعبين الهنود كانوا بأقدامهم العارية أكثر إستحواذ، وسيطرة على الكرة، مما أتاح لهم تقديم أداء رائع على البُساط الأخضر أفضل من مُنافسيهم المُنتعلين الأحذية، وهو الرأي الذي أكد عليه (سيلين مانا) لاعب مُنتخب الهند، وقائده الشهير في الأربعينيات، والخمسينيات من القرن الماضي، والذي كان أحد اللاعبين الذين تواجدوا بـتشكيلة مُنتخب الهند في مُباراتهم أمام مُنتخب فرنسا بـالألعاب الأوليمبية ١٩٤٨، والذي يقول: ( بعد مُباراة فريقنا أمام فرنسا جاءنا أكبر تقدير من الأميرة مارجريت كريمة الملك البريطاني جورج السادس عندما إستقبلت الفريق في قصر باكنغهام، حيث عبرت عن إعجابها بمُستونا في اللقاء، بالإضافة إلى إندهاشها من الأداء الرائع رغم خوضنا المباراة بـأقدام عارية، وبدون أحذية، حيث قالت الأميرة البريطانية لنا ألآ يوجد لديكم تمويل كافي لشراء الأحذية، فإبتسم جميع اللاعبين إبتسامة عريضة، وقلنا أن اللعب بدونها كان أكثر راحة فالأحذية تحد كثيراً من أداء اللاعب أثناء المباريات).
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة