جماهيرية عالية.. وانحدار أخلاقي..
أوراق أجنبية.. وأزمات مالية.. وتقلبات إدارية
دمشق – مالك حمود
الكل متفق على أن سلتنا تعيش مرحلة مختلفة من الأجواء والأهواء والأضواء في موسمها التنافسي الحالي ٢٠٢٣ – ٢٠٢٤
والكل متوافق على التنامي الجماهيري للعبة وبلوغه مرتبة ومكانة لافتة على المستوى الدولي.
والكل متفاعل مع الحراك الإيجابي الذي أدخله اللاعب الأجنبي الى مسابقاتنا المحلية مع اتساع مساحة مشاركته بأرض الملعب.
لكن الكثيرون ينتظرون التطور الحقيقي والمأمول لكرة السلة السورية مع إدارتها الحالية التي تعمل على تجميل الصورة ولكن ماذا عن الجوهر.؟
مسابقات ومباريات
فيما ذهبت الجهود نحو إقامة دوري نوعي للفرق القادرة على الاحتراف وتحمل تكاليفه، كان التوجه الى رفع سقف المعطيات الاحترافية، والتوجه نحو اعتماد مشاركة لاعبين اثنين بأرض الملعب مع كل فريق، الأمر الذي تسبب في انخفاض عدد دوري المحترفين الى ثمانية فرق، فيما ذهبت البقية الى دوري الدرجة الأولى، في خطوة غير مسبوقة ومحفوفة بالخطر قد لا تظهر نتائجها في الوقت الحالي، والبداية كانت غياب بعض المحافظات عن دوري المحترفين كاللاذقية التي اعتادت أن تكون حاضرة بذلك الدوري بفريقيها تشرين وحطين، لكن رفع درجة الصعوبة المالية للمشاركة جعلها تفضل اللعب في ظل الدرجة الأولى، في خطوة أزعجت جماهير الناديين، وأراحت إدارتي الناديين من عبء كرة السلة وهمومها المالية، وهذا حال نادي الطليعة بحماة والثورة بدمشق أيضا، بعدما كانت هذه الأندية منبعا للمواهب والنجوم أيضا.
فهل وجودها الآن في دوري الدرجة الأولى ومبارياته القليلة سيساهم في تطوير مواهبها الواعدة ؟
وماذا سيكلفها تقصيرها في دعم اللعبة ماديا غير البقاء في الدرجة الأولى لعدم وجود درجة ثانية والخشية من الهبوط اليها.
إرهاق مالي
لا شك أن دوري المحترفين بنسخته الحالية أرهق معظم الأندية لدرجة أنها وجدت نفسها مضطرة للتعاقد مع لاعبيها الأجانب قرابة الستة شهور وسط الضائقة المالية والظروف الصعبة التي تحيط بها، مما دفع بعض الأندية لتأخير استقدام الأجانب لمرحلة الإياب من باب التوفير، فيما اكتفى البعض بأجنبي واحد طيلة الدور الأول.
وفيما كان الهدف من وجود اللاعب الأجنبي هو تطوير اللعبة ولاعبينا المحليين، كانت بعض الأندية تدفع للأجانب وتقصر على اللاعبين المحليين ناهيك عن تبديل العديد من الأجانب بحثا عن اللاعب المميز والمفيد لسلتنا لتتضاعف النفقات وتزيد الصعوبات، في الوقت الذي كان فيه العديد من اللاعبين المحليين ينتظرون الحصول على مستحقاتهم المتراكمة ولكن من ذا الذي سيضغط على إدارات أنديتهم للوفاء بالتزاماتها تجاه لاعبيها، ومنهم من دخل الموسم الثاني ولم يحصل حقوقه المالية من ناديه.
علما أن تقليص عدد فرق دوري المحترفين دفع بعدد من اللاعبين للعب كهواة بعدما كانوا محترفين، فيما أدى ذلك لبقاء بعض المدربين البارزين والوطنيين دون عمل.
مجرد وعود
وجود اللاعبين الأجنبيين بأرض الملعب كان على حساب اللاعب المحلي وساهم في تضييق فرصة ظهور اللاعبين الشبان حيث يتجاوز وسطي أعمار معظم فرق دوري المحترفين الثلاثين عاما، وقد ظهرت مخرجات ذلك الدوري بشكل خجول رغم تصريح رئيس اتحاد اللعبة منذ قرابة الشهرين بأن المنتخب القادم الذي سيشارك في التصفيات الأسيوية سوف يشهد (إبعاد اللاعبين الكبار) مقابل إعطاء دور كبير للشباب، لكن ذلك لم يتجلى في المنتخب الذي عاد للاعتماد على اللاعبين الكبار، فهل تم الاكتشاف المفاجئ أننا ليس لدينا مواهب شابة قادرة على تمثيل المنتخب ؟!
وفي الوقت نفسه ومرة جديدة تخفق محاولات استقدام لاعبين من أصول سورية للعب مع المنتخب، ومع كل إخفاق تظهر العديد من الحجج، علما أن فائدة استقدام هؤلاء اللاعبين لن تقتصر على المنتخب، بل يمكن أن تكون لفائدة الأندية الطامحة وهذا ما وجدناه مع اللاعبين كمال جنبلاط وأندريه فارس.
خلل إداري وتنظيمي
التراجع والتقلب في القرارات كان واضحا خلال هذه الفترة، مما يعكس حالة ضعف في العمل الإداري والتنظيمي، وعدم الثبات على رأي ربما من باب إرضاء البعض وكسب الآخر، ومثال ذلك اللاعب الأجنبي الذي شهد تغييرا في العدد المسموح به، واعتبره الكثيرون لمصلحة البعض، وكذلك السماح لأندية الدرجة الأولى التعاقد مع لاعبي أندية دوري المحترفين التي لم تتأهل الى الفاينال للعب معها خلال الفاينال المؤهل لدوري المحترفين، لكن سرعان ما تم التراجع عن ذلك القرار رغم إبلاغ الأندية الأربعة رسميا بإمكانيه تعاقدها مع لاعبين محليين من دوري المحترفين، بعدما اتضح عدم وجود قرار رسمي وخطي صادر عن الجمعية العمومية لكرة السلة السورية يسمح بذلك، رغم مناقشة الموضوع خلال مؤتمر اللعبة لكن لم يتم توثيق هذا الكلام بشيء مكتوب ومصدق عليه من القيادة الرياضية، ليكون التراجع عن القرار الذي أحرج الأندية المتعاقدة مع لاعبيها، علما أنه بذات الوقت يوجد قرار رسمي بعدم السماح للاعب اللعب مع ناديين خلال الموسم المحلي الواحد، ويعالج الخطأ بخطأ، والمباراة التي انتهت بخسارة أحد الفريقين بالتغيب، تقرر إعادتها وتنتهي بخسارة (الفائز بالتغيب) وبالتغيب أيضا، كردة فعل على ما حدث، فأين اللوائح وتطبيقها فيما يخص المتغيب عن مباراة ضمن المسابقات الرسمية ؟
كأس المحترفين
التركيز على الأندية المحترفة كان واضحا خلال هذه المرحلة، وهذا ليس بخطأ لكن المشكلة في حصر التركيز على هذه الأندية النخبة التي لا يتجاوز عددها 6 أندية، وحتى هذه النخبة لدى معظمها مصاعب مالية جمى، وتضيق ذرعاً في تأمين المال لمواكبة الموجة العالية القائمة على الترويج والتسويق، دون أن تحصل تلك الأندية على حقوقها من ذلك التسويق، وتأتي مسابقة كأس الجمهورية كي تعزز هذا الكلام، مع حصر المشاركة فيها بأندية النخبة الستة المحترفة، خلافا للمتعارف عليه حيث تمتاز مسابقة الكأس بالزام المشاركة فيها لفرق الدرجة الأولى، وفتح باب المشاركة أمام فرق بقية الدرجات، لكن الحال اختلف والعدد أختزل، والمسابقة أقيمت بطريقة التجمع الجغرافي الواحد، بعد توزيعها على مجموعتين، حيث يقتصر العدد الإجمالي لمباريات المسابقة على 9 مباريات فقط. مما يعني أن فريقان من المشاركين سوف يلعبان مباراتين فقط، وفريقان سيلعبان 4 مباريات، وفريقان سيلعبان 5 مباريات.
ومع اقتصار دوري المحترفين على 8 فرق وعدم تجاوز مبارياته (مابين دور أول وفاينال) العشرين مباراة، وغياب مسابقة كأس السوبر وعدم معرفة مصيرها رغم الإعلان عنها بداية الموسم، كان يجدر التعويض عنها في مباريات الكأس، وإقامتها بطريقة الذهاب والإياب ومنح الفرق حقها في اللعب على أرضها وأمام جماهيرها، ليأتي بعدها قرار منع ترحال جمهور النادي الزائر لتشجيع فريقه وذلك تجنبت لحدوث المشاكل، لكن أين العدالة في الأمر بعد منح أفضلية التشجيع لأصحاب الأرض في مسابقة سمحت باستضافة 17 فردا لكل فريق ما بين لاعب ومدرب ومساعد مدرب أول وثاني ومدير فريق وإداري وطبيب وإحصائي ومعد بدني ومنسق إعلامي، فهل يلحق الاختصار بكوادر الفرق أيضا، ولننظر للمشاركات الأخيرة لمنتخبنا حيث كان الطاقم الإداري والفني والمرافق بحدود 10 أفراد.
ضعف الحماية
بعد الضعف النسبي في تحصيل حقوق بعض كوادر اللعبة من لاعبين ومدربين وإداريين، يترافق ذلك مع ضعف واضح في حماية اللاعبين في الصالات، بعدما تعرض بعضهم للشتم الجماهيري المؤلم دون رادع، والحكاية تجاوزت اللاعبين وطالت بعض الحكام أيضا لنشاهد التمادي عليهم في عدة صالات ومحافظات، لدرجة الظن بأن الإساءة متاحة لمن يشاء، علما أن الغرامة المالية لم ولن تثبت نجاحها في الحد من المشاكل والشتم والإساءة من ضمنها، وسط سؤال عن دور مراقبي المباريات في نقل مشاهداتهم في المباريات للاتحاد.
وحتى عندما تفاقمت الأمور وتمت الشكوى لاتحاد اللعبة والمدعمة بالتسجيلات لحالات الإساءة كان القرار بمعاقبة مراقب المباراة، ولسنا ضد مبدأ تقييم العمل والمحاسبة والمعاقبة، ولكن يجدر أن تكون العقوبة دون إشهار احتراما للعمر والخبرة والسنين الطويلة من العطاء، وهل كان الإجراء مماثلا في كل المباريات والصالات؟
مال وأمال
يكاد لا يمضي أسبوع دون صدور حزمة من الغرامات المالية، وبعد كل هذه الباقات من الغرامات المالية، هل ساهمت بتخفيف الخطأ، وهل صار الهدف فقط كسب الغرامات المالية لدعم صندوق اتحاد اللعبة، وهل بالإمكان تخصيصها للدعم المباشر للأندية المجتهدة خصوصا في العمل على الفئات العمرية، حيث المكافأة المالية المستحقة لكل من يثبت جدارته وتفوقه، أو الاستفادة من أموال الغرامات في الدعم اللوجستي لعمل لجان الإحصاء في المحافظات حيث اتضحت حاجة معظمها لتحديث طابعاتها على سبيل المثال، رغم مبادرة فريق الأحساء للحصول على رعاية علها تساهم بتغطية تكاليف عملها المميز.
تقدمنا في الميزان الدولي
شيء مفرح أن نجد منتخبنا للناشئات وهو يتقدم 13 مرتبة في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة السلة، صحيح أننا مازلنا بعيدين كثيرا عن واجهة الترتيب لكن ذلك يعكس حالة العمل بنجاح مع منتخب الناشئات الذي حقق مؤخرا بطولة غرب آسيا، وهو حافز لمواصلة الاهتمام بالفئات العمرية ليس على مستوى المنتخبات فقط، وإنما على صعيد المسابقات المحلية التي تتطلب صيغة جديدة في طريقتها ومساحتها وزيادة عدد مبارياتها، بما يساهم في تنمية وتطوير المواهب الواعدة مهارياً وفكريا وبدنيا، مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة توفر المدربين الأكفاء القادرين على التعامل فنياً وذهنياً وتربوياً مع الفئات العمرية الصغيرة، والمؤهلين لتطويرهم بأسلوب علمي، مع التأكيد على دور الأكاديميات في ذلك المسار، ومتابعة عملها ورصد مواهبها وإلزامها بالمشاركة في المسابقات الرسمية المتوافقة مع فئاتها العمرية.
بالطبع فالعمل على المنتخب للفئات العمرية يحقق الفائدة لمجموعة محدودة من اللاعبين، لكن فيما لو تم إحداث مراكز نوعية في المحافظات لتطوير المواهب الناشئة ودعمها بمدربين أجانب ومعهم مجموعة من المدربين المحليين الشبان، حيث العمل على مدار العام، وبما لا يتعارض مع التزامهم مع أنديتهم وأكاديمياتهم، عندها سنجد أمامنا قاعدة واسعة من المواهب الواعدة المؤهلة والمبشرة، وقاعدة جيدة وجديدة من المدربين الشبان الطامحين والمؤهلين.
دعما لسلتنا
الحديث عن الجانب السلبي في عمل اتحاد السلة لن يلغي الجانب الإيجابي، والكلام الناقد هدفه تطوير اللعبة وليس لغايات فردية كما يروج البعض، فاللعبة مازالت الثانية في سورية ويكفي حفاظها على جماهيريتها الآخذة في التنامي، لكننا مازلنا نبحث عن التطور الحقيقي الكفيل بإظهار أجيال جديدة من اللاعبين والمدربين الموهوبين القادرين على إعادة اللعبة الى زمنها الجميل.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة