شهدت شوارع لندن ومانشستر مظاهرات واحتجاجات، ورفعت جماهير ألمانيا لافتات تنديد ورمت جماهير الكرة في ملاعب أخرى أوراق مالية مزيفة على أرضيات ملاعب البطولات الأوروبية، كل ذلك اعتراضاً على إعلان إنشاء دوري أوروبا الممتاز (يوربا سوبرليغ) في نيسان/إبريل 2021. وإن أجمعت الجماهير في غالبها على رفض البطولة إلا أنها اختلفت في أسباب معارضتها، فمنهم من رفع شعار “لا لأمركة كرة القدم” والذي يجعلها حكراً على “الكبار” ويؤثر على الاصطفاء الطبيعي في منافساتها، وآخرون يرون أن تكرار المواجهات بين الأندية نفسها يفقدها صفة الندرة وحماسة الثارات المؤجلة. ولم يقتصر الرفض على الجماهير الأوروبية، بل تعداه إلى الجماهير العالمية كما كشفت منشورات وسائل التواصل الاجتماعي حينها.
وقد يثير ذلك تساؤلاً كيف قبلت الجماهير بدوري النخبة الإنجليزي (الدوري الممتاز) ولم تتقبل دوري ممتاز “سوبر” أوروبي؟
قد يكون الجواب المبدئي أن الإعلان المفاجئ والنابع عن خسارات الأندية لمصدر التمويل الأول من عوائد التذاكر أثناء جائحة كوفيد دون النظر إلى آراء الجماهير دفعهم للرفض حيث شعروا أنفسهم غائبين عن القرارات، أو بتعبير أدق خارج حسابات المستثمرين ورؤساء الأندية التي يشجعونها، ولعل ذلك ما دفع معظم الأندية التي وافقت على تأسيس البطولة الجديدة للانسحاب واحداً تلو الآخر تحت ضغط الجماهير مرة كالأندية الإنجليزية، أو بضغط العقوبات التي لوحت بها الفيفا واليويفا تارة أخرى، فلبت جماهيرها ولو على مضض.
أما أبرز ما كشفته هذه الهزة في كرة القدم الأوروبية “كما أسماها يورغن كلوب مدرب ليفربول” أن المطالبة بالمنافسة في السوق وشعار “الخيارات المتعددة”، الذي يتم الترويج له في كثير من الأحيان، ما هو في الواقع إلا سلاح يستخدمه الموجودون خارج السلطة لمهاجمة هياكل السلطة القائمة، ولن يصب في مصلحة المشاهد العادي على الأغلب.
وبعد عامين على “طي الصفحة” عادت السوبرليغ لتجتاح عناوين الصحف والمواقع الرياضية بعدما حكمت المحكمة الأوروبية (في 21ديسمبر/ 12/ 2023) بعدم شرعية “احتكار اليويفا للبطولات” دون أن توصي بإنشاء بطولات موازية، ليصبح العنوان الأبرز: “أيام ونرى ولادة البطولة الجديدة”، وذلك ما أراد فلورنتينو بيريز “رئيس نادي ريال مدريد” أن يؤكده للجماهير بعدما ظهر ملقياً “خطاب النصر على اليويفا” وخلفه كؤوس بطولتها “دوري الأبطال” الأربعة عشر في إشارة إلى أنه على استعداد لتحدٍ جديد، لتتبعه شركة A22 الراعية للبطولة بفيديو يشرح نظام البطولة المقترح لـ”يواكب تطلعات الجماهير” ويلغي فكرة “أبدية المشاركة” و “ينعش المنافسة” التي ستجري في مستويات ثلاثة: “نجوم” و”ذهبي” و”أزرق” في فكرة لم تكن قد طرحت قبل عامين، بالإضافة إلى دوري نسائي “لتحقيق المساواة” و”الامتثال للقوانين الأوروبية” رغم تجاهل الشركة للمطالب الخاصة بتوضيح معايير المشاركة ومصادر التمويل.
كل ذلك لم ينجح في جذب الأندية وجماهيرها إلى هذه البطولة، ولعل أبرز ما في الأمر، أن أبطال المنافسة الأصيلة “دوري أبطال أوروبا” السابقين (خلا الريال وبرشلونة) كانوا في مقدمة الرافضين وأبرزهم بايرن ميونخ وقطبا ميلانو، وسداسي البريميرليغ. لكن الأغرب كان رفض أياكس الغريق حالياً والذي قد يرى البعض في هذه البطولة طوقاً لنجاته من الغياب عن الشاشات بعدما تدهور مستواه محلياً، وهو الأمر الذي أقر به رئيس النادي الحالي فان ديرسار الذي قد يكون جوابه “أن عدالة المنافسة هي أحد الأركان الأساسية للرياضة الغائبة عن بطولة السوبر” هو جواب لسؤالنا عن رفض الجماهير لهذه الفكرة قارياً رغم قبولها محلياً.
الرياضة والحياة صحيفة رياضية منوعة